الأربعاء 28 أكتوبر 2026
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أشرف رضوان: مصر.. بين أفق 2030 واختبار الدفاع عن السعودية

هير نيوز

تواجه مصر، في الشهر الجاري، تحديين متداخلين في دلالاتهما، مختلفين في مساراتهما: الأول، كيف تجَهّز قائدها للمرحلة المقبلة؟ والثاني، كيف ترعى مصالحها وتؤمِّن أشقاءها في هذا الظرف من التوترات الجيوسياسية؟ وقد جمع الرئيس عبدالفتاح السيسي بين هذين الأمرين في كلمته أمام طلبة وخريجي الأكاديمية العسكرية؛ إذ أكد انتهاء رئاسته عام 2030، وطرح رؤيته لإعداد قيادات جديدة، بالتزامن مع طلب تفويض برلماني له؛ لاتخاذ إجراءات ناجزة لحماية المملكة العربية السعودية إذا طلبت ذلك، غير أن قراءة هذه التطورات تفرض التمييز بين الإعلان السياسي والتشريع الملزم من جهة، والاستعداد العسكري وقرار استخدام القوة من جهة ثانية.

إن تأكيد نهاية الرئاسة عام 2030 ذو أهمية سياسية؛ إذ يحدد أفقًا زمنيًّا للنقاش حول مستقبل الحُكم. لكنه يؤكد -دستوريًّا- المسار القائم بعد تعديلات 2019، التي جعلت مدة الرئاسة ست سنوات، وسمحت للسيسي بإعادة انتخابه للولاية التي بدأت عام 2018. ومن ثم، فالأدق أن نتلقى التصريح بوصفه التزامًا معلنًا باحترام نهاية المدة، مع بحث انعكاسه على سلوك المؤسسات والقوى السياسية، من دون افتراض تحقُّق انتقال السلطة مسبقًا.

ويمكن تفسير الإعلان، تحليليًّا، بأنه يستهدف تقليل الغموض بشأن المستقبل، وفتح باب إعداد كوادر ذات كفاءة قبل اقتراب الاستحقاق الرئاسي. وربما يسهم إعداد جدول زمني محدد الخطوات والمهام في توجيه الاهتمام نحو البرامج والبدائل، ويعطي الشركاء في خارج مصر الفرصة لتقدير استمرارية السياسات، غير أن هذا الطرح يظل مجرد احتمالات؛ فالثقة بالانتقال تتكون تدريجيًّا من خلال قواعد المنافسة وتطبيقها، ومن قدرة مؤسسات الدولة على العمل باستقلال وفاعلية.

أما تصور إعداد القيادات، فتقوم فكرته على تأهيل مجموعات من أصحاب المؤهلات العليا عبر برامج تعدُّها الأكاديمية العسكرية لمدة 30 شهرًا، بإشراف لجنة تضم نخبة من البرلمانيين والسياسيين والخبراء والمثقفين؛ من أجل اختيار الكفاءات المرجوّة. ويستهدف الطرح -بحسب التفاصيل المنشورة- توفير كوادر مؤهلة لقيادة مؤسسات الدولة بمناصبها المختلفة، إضافة إلى أن الاختيار الانتخابي متاح لمن تتوافر فيهم الشروط. لذلك لا يصح اختزال هذا التصريح، في مرحلته المعلنة، في اختيار شخص بعينه لخلافة الرئيس.

وتستحق فكرة التأهيل نقاشًا موضوعيًّا؛ فإدارة الدولة تتطلب معرفة عميقة بالموازنة والاقتصاد والقانون والسياسة الخارجية والأمن القومي. وقد يتيح التدريب المنظّم فهمًا أعمق لتداخل هذه المجالات، لكن مدى نجاح هذا البرنامج يتوقف على تنوّع المشاركين والمناهج، وشفافية القبول والتقييم، وحضور الخبرات المدنية والجامعية والحزبية. كما أن الشهادة الأكاديمية والتدريب الإداري لا يكفيان وحدهما لقياس درجة الكفاءة السياسية أو القدرة على تمثيل المجتمع وبناء التوافق داخله.

وهنا يظهر السؤال الدستوري الجوهري: هل يصبح اجتياز البرنامج شرطًا للترشح للرئاسة؟ تحدد المادة 141 شروطًا أساسية للمترشح، وتترك للقانون تحديد شروط أخرى، فيما تنظم المادتان 142 و143 التأييد اللازم، وطريقة الانتخاب. وتقديري أن برنامجًا تأهيليًّا مفتوحًا يختلف قانونيًّا عن قصر الترشح على خريجيه؛ فهذا القصر الحصري -إن طُرح تشريعيًّا- سوف يثير أسئلة جدية بشأن المساواة، وحق الترشح، وتناسب القيود؛ ولذلك يتوقف التقييم الدستوري الدقيق على النص الذي سيُقترَح، ثم الرقابة الدستورية عليه.

أما فيما يتعلق بالملف الإقليمي، فإن التطورات اللاحقة أضافت عنصرًا مهمًّا على المشهد؛ إذ أرجأ مجلس النواب حسم التفويض المتعلق بدعم السعودية إلى 26 أكتوبر، بعد جلستين مغلقتين. وبذلك فإننا نظل، حتى وقت كتابة سطور هذا المقال صباح الجمعة 23 أكتوبر، أمام طلب قيد المناقشة. كما أن المادة 152 تشترط، لإرسال القوات المسلحة المصرية في مهمة قتالية خارج الحدود، الأخذَ برأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

ولا ينبغي أن نفهم أن التأجيل وحده دليل على خلاف بين مؤسسات الدولة؛ لكنه يبرز أهمية تحديد نطاق المهمة المحتملة، وأهدافها، ومدتها، وتكاليفها. فالدفاع عن الأراضي السعودية، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وغيرها من المهام، تتباين في مقتضياتها ومخاطرها. وتزداد أهمية هذا التحديد مع اتساع احتمالات التصعيد، وثمة صعوبة في أن يضمن أيُّ صاحب قرار بقاء أي اشتباك ضمن حدوده الأولى.

وفي المقابل، فإن التحركات المصرية تؤكد استمرار النهج الدبلوماسي؛ حيث  زار وزير الخارجية بدر عبدالعاطي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد الرياض في 21 أكتوبر، وسلّما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسالة من الرئيس السيسي إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ وهو ما يؤكد أن القاهرة تجمع بين دعم القدرات الدفاعية للمملكة، وفي الوقت نفسه تدعو إلى تغليب الحلول السياسية وخفض التصعيد.

ولمصر مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار ملاحة البحر الأحمر. ويكفي، لتوضيح حجم حساسيتها لاضطراب الملاحة، أن إيرادات قناة السويس بلغت 3.991 مليارات دولار عام 2024، مقابل 10.250 مليارات عام 2023؛ أي بانخفاض يقارب 61%. وهذه مقارنة تاريخية تكشف عن مدى حجم الضرر السابق فقط، فما بالنا بحجم الضرر  الذي أصاب مصر العام الجاري 2026. وهذا يوضح سبب حرص القاهرة على أمن الممرات البحرية، وسوف تبقى المفاضلة بين وسائل حمايتها خاضعة لحسابات العوائد والتكاليف.

أما الصلة بين ملف الرئاسة والتحرك تجاه السعودية، فلا تتوافر دلائل كافية على ارتباط مباشر بينهما. ويمكن -تحليليًّا- الربط بينهما في إطار اهتمام مصر باستمرارية مؤسساتها ومواجهتها للضغوط: إعداد قيادات للداخل، وبناء استجابة محسوبة للخارج. لكنَّ استنتاج ترتيبات خِلافة مرتبطة بتدخل عسكري أو تفاهمات اقتصادية؛ فهذا يحتاج إلى وثائق تتجاوز مجرد تزامن التصريحات.

إن هذه اللحظات الفارقة تسمح لمصر بأن تعزز الثقة داخليًّا بتوضيح قواعد إعداد القيادات والمنافسة السياسية، وخارجيًّا بتحديد التزاماتها الدفاعية والحفاظ على مساحة للحل الدبلوماسي. وسوف تتحدد قيمة إعلان 2030 فيما يتبعه من إجراءات مؤسسية، كما ستكون قيمة التفويض المحتمل في وضوح حدوده وغاياته. وبين الاستحقاقين، يبقى الاختبار هو مدى قدرة الدولة على الجمع بين استقرار المؤسسات، وحقوق المواطنين من جهة، وحماية المصالح المصرية والعربية بأقل كلفة ممكنة من جهة ثانية.

محرر أول اللغة العربية، تريندز للبحوث والاستشارات، أبوظبي

تم نسخ الرابط