بقلم أشرف رضوان : القاهرة في عين العاصفة.. كيف تواجه مصر فخ الجغرافيا السياسية وتحديات الاقتصاد المحلي
تشهد الساحة الإقليمية أحداثًا متسارعة تفرض واقعًا جيوسياسيًّا مرتبكًا؛ إذ تتقاطع الملفات الأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق، إذ تقف مصر بصفتها عنصر توازن رئيس في مواجهة هذه الرياح العاتية. وبرغم تصاعد حدة التوترات الإقليمية، فلاتزال القاهرة ثابتة القدم في حماية أمنها القومي وأمن حلفائها، وخاصة في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر.
الاقتصاد المحلي في قلب العاصفة
على الصعيد المحلي، تواجه مصر ضغوطًا بسبب الأزمات العالمية والإقليمية؛ ما أدى إلى استمرار التحديات التي يواجهها الجنيه المصري. وفي هذا السياق، أكدت الدولة تحملها الجزء الأكبر من تكلفة الطاقة تخفيفًا للعبء عن المواطنين، إذ تبلغ تكلفة دعم المواد البترولية نحو 225 مليار جنيه سنويًّا. ومع استمرار هذه الضغوط فسوف تتأثر خطط التنمية مؤقتًا، وخصوصًا مع تراجع إيرادات قناة السويس؛ إذ أوضح رئيس الهيئة في تصريحاته خلال عام 2025 أن إيرادات القناة انخفضت إلى نحو 3.99 مليارات دولار خلال عام 2024، مقارنة بأعلى مستوى تاريخي لها بلغ 10.25 مليارات دولار في عام 2023. وأرجع هذا التراجع الحاد، الذي رافقه انخفاض في أعداد السفن العابرة بنحو 50%، إلى التوترات الإقليمية المستمرة، وتأثيرها المباشر على الملاحة في البحر الأحمر. لكن الحكومة تسعى لتوفير بدائل دينامية للتعامل مع المشهد الاقتصادي، وتأمين احتياطيات استراتيجية قوية.
أمن الخليج والبحر الأحمر خط أحمر
أما على الصعيد الإقليمي، فقد برز موقف مصر الحازم تجاه أمن الخليج؛ إذ شدد الرئيس عبدالفتاح السيسي على أن الجهد العسكري المصري يهدف إلى الدفاع عن المملكة العربية السعودية، ولا يستهدف اليمن أو أي دولة عربية أخرى. وقد جاءت الإدانة المصرية الواسعة للاعتداء الغاشم الذي استهدف مطار الملك فهد بالدمام؛ لتؤكد أن أمن السعودية والخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وفي الوقت نفسه، تسعى القاهرة لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، وصولًا إلى المحيط الهادي، مع رفضها أي مساس بسيادة دول الخليج العربية.
دينامية التحالفات والمشهد الليبي
في سياق التحركات الدبلوماسية، برزت أهمية المشاورات الإقليمية، ولاسيما توسيع مشاورات إسطنبول لتشمل دولًا أوروبية؛ ما يكشف عن توافق متنامٍ في العلاقات المصرية-التركية، إلى جانب السعودية وباكستان بشأن أزمات المنطقة. وفي الملف الليبي، جددت مصر موقفها الرافض، بعد مصادقة برلمان شرق ليبيا مؤخرًا على مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية مع تركيا عام 2019، إذ تعدُّها مصر معدومة الأثر؛ لتجاوزها الصلاحيات المقررة، ولانتهاكها الحقوق السيادية للدول؛ إذ تحرص القاهرة على ثبات خريطة المصالح الاستراتيجية في شرق المتوسط دون الإخلال بحقوقها السيادية.
الانتخابات الأمريكية.. ترقب إقليمي واستعداد مصري
وفي سياق متصل، يلقي الاستحقاق الانتخابي الأمريكي بظلاله على حسابات صانع القرار في الشرق الأوسط، وفي القلب منه القاهرة. فمع تباين الرؤى داخل أروقة واشنطن حول قضايا المنطقة -بدءًا من مسارات التسوية والمساعدات، ووصولًا إلى كيفية التعامل مع التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز- تتبنى مصر استراتيجية تقوم على تنويع التحالفات واستباق المتغيرات. وتدرك الدبلوماسية المصرية أن أي تحولات محتملة في موازين القوى الأمريكية (سواء في البيت الأبيض أو الكونغرس) تتطلب مرونة فائقة للحفاظ على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مع التشديد المستمر على أن استقرار المنطقة لا يحتمل مزيدًا من الفراغ السياسي أو تقييد مسارات التسوية الدبلوماسية.
وبناء على ما سبق، يتمحور الدور المصري في تفكيك المشهد الإقليمي المعقّد، مع الحفاظ على رؤية واضحة، تُوازن بين متطلبات الداخل وتحديات الخارج، لتؤكد القاهرة مجددًا أنها ركيزة الاستقرار في محيط مضطرب.
محرر أول اللغة العربية، تريندز للبحوث والاستشارات، أبوظبي