رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم فاطمة المزيني: عقيدة الأطراف وقدر الجغرافيا

هير نيوز

ما الذي يدفع الكيان الصهيوني للاعتراف بشكل مفاجئ بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وهي منطقة لم تحظ باعتراف أي دولة أخرى منذ إعلانها الاستقلال قبل أكثر من ثلاثين عاما؟ الإجابة تكمن في البحر الذي يطل عليه الإقليم. فهذه الرقعة من الأرض تشرف على خليج عدن، البوابة الحيوية لمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم والذي يعد شريانا رئيسا للتجارة العالمية وطريقا حيويا لإسرائيل نفسها. من هنا يتحول الاعتراف الإسرائيلي من مجرد قرار دبلوماسي إلى خطوة استراتيجية محسوبة بدقة ومؤثرة على لعبة القوى في المنطقة. ما حدث يعيد للأذهان النظرية القديمة (أن من يتحكم في البحار هو من يمسك بزمام القوة).

فالسيطرة على ميناء استراتيجي لا تقتصر على العائد الاقتصادي من الخدمات اللوجستية، بل تتعدى هذا إلى إمكانية نشر القوة العسكرية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وفي أوقات النزاع القدرة على خنق الخصوم اقتصاديا. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الدول عبر التاريخ، وما يحدث اليوم في القرن الإفريقي هو تطبيق معاصر لاستراتيجية قديمة تسمى «عقيدة الأطراف» أو «حلف المحيط» وضعها بن غوريون في الخمسينيات. كانت فلسفتها ببساطة أنه باعتبار أن إسرائيل محاطة بدول عربية معادية لها، فالحل يكمن في القفز فوق هذا الطوق الجغرافي وبناء تحالفات مع الدول غير العربية الواقعة على أطراف العالم العربي مثل تركيا وإيران في ذلك الوقت وإثيوبيا. الهدف كان كسر العزلة وتطويق الخصوم من الخارج، وتحويل الجغرافيا إلى امتياز.

اليوم نرى بوضوح إحياء هذه العقيدة في القرن الإفريقي، حيث يمنح الوجود في أرض الصومال إسرائيل موطئ قدم استراتيجي ويؤمن لها الخاصرة الرخوة في البحر الأحمر.

بالرجوع للتاريخ نرى تكرار لعبة السيطرة على البحار، فالإمبراطورية البريطانية بدأت ببناء نفوذها بالسيطرة على سلسلة من الموانئ الحصينة مثل «عقد من اللؤلؤ» من جبل طارق ومالطا في المتوسط إلى عدن وسنغافورة في الشرق. وهذه القواعد مكنتها من الهيمنة على طرق التجارة العالمية لقرون، وفي التاريخ الأمريكي نجد «خطة الأناكوندا» خلال الحرب الأهلية التي كانت تهدف إلى فرض حصار بحري كامل والسيطرة على نهر المسيسيبي لتنجح في شل اقتصاده. وحتى في الحرب الباردة كانت سياسة «الاحتواء» الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي عبارة عن نسخة عالمية من عقيدة الأطراف، عبر تطويق الخصم بحلقة تحالفات وقواعد عسكرية.

تنجح هذه الاستراتيجية دائما لأنها تتبع فكرة الاستحواذ على القوة بأقل جهد ممكن بالتموضع الجغرافي فقط بدلا من الحروب المكلفة. وهو ما يمنح أي دولة نفوذا يتجاوز حدودها بكثير.

ما نشهده اليوم من تنافس على الموانئ في المحيط الهندي والقرن الإفريقي هو تأكيد على أن هذه اللعبة القديمة لا تزال حية و فاعلة ولا يمكن للدول التي يتم تطويقها التسامح مع أي تحركات من هذا النوع تحت أي مسمى، ومن أي طرف كانت.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط