بقلم فاطمة المتحمي: الفراسة الإعلامية في مقابلة المديفر والفراج
ما قدمته المقابلة بين عبدالله المديفر ووليد الفراج في برنامج (الليوان) لم يكن نقاشاً عابراً حول أداء إعلامي، بل حالة تفاعل جمعي كاشفة. الناس لم تناقش الحلقة قدر ما ناقشت مفاهيم أعمق( الشعبية، الهيبة، الاحترام، النفوذ، والنجاح). وكأن المقابلة تحولت إلى مرآة نفسية انعكست عليها تصورات الجمهور عن الرمزية داخل الإعلام. هذه قراءة لا تبحث عمّن انتصر، بل عمّا كشفه الحوار من بنى نفسية: صراع الإطار، اختبار الثبات، وإدارة المكانة في فضاء عام شديد الحساسية.
حين تحدث وليد الفراج عن بداياته، والصعوبات التي واجهها، لم يكن يستدعي قصة كفاح تقليدية، بل يعيد بناء سردية هوية. هناك فرق سيكولوجي عميق بين من يروي معاناته ليكسب تعاطفاً، ومن يرويها ليؤكد معنى وجوده المهني.
الشخصيات التي تتشكل عبر العوائق تطور ما يُعرف بالمرونة النفسية؛ أي القدرة على تحويل الإحباط إلى دافع. حديثه عن الذين دعموه لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً على اتزان داخلي. الامتنان في السياق المهني يعكس وضوحا في مفهوم الذات، لأن الشخص المتصالح مع رحلته لا يحتاج إلى محو الآخرين من قصته.
في المقابل، إشارته إلى من حاولوا عرقلته تفتح باباً مهماً لفهم ظاهرة “قلق المكانة”. في البيئات الإعلامية ذات الطابع الجماهيري، يصبح المنصب امتداداً للهوية. وعندما تختلط الهوية بالموقع، يتحول صعود الآخر إلى تهديد وجودي. هنا لا تُحارب الكفاءة لضعفها، بل لقوتها.
الفراج، في طريقة حديثه، بدا متجاوزاً لهذه المرحلة. وهذا التجاوز لا يأتي إلا من خبرة طويلة وصدامات متعددة صقلت مفهومه عن ذاته بعيداً عن القلق الدائم من الاستبدال.
حين يُذكر اسم ART في سياق تمكين الشباب السعودي، فإن الحديث لا ينبغي أن يُختزل في كونه تجربة إعلامية ناجحة، بل يجب أن يُقرأ كنموذج مؤسسي مبكر لفلسفة استثمارية في رأس المال البشري الوطني.
ما فعلته ART لم يكن مجرد استقطاب شباب ومنحهم فرصة أمام الكاميرا، بل كان تأسيس منظومة على افتراض جوهري(الكفاءة الوطنية موجودة، لكنها تحتاج إلى منصة وثقة مبكرة).
في علم الإدارة المؤسسية، يُعرف هذا التوجه بالاستثمار في رأس المال البشري طويل الأمد، حيث لا يُنظر إلى الموظف كعنصر تشغيلي، بل كأصل إستراتيجي. والأصول الإستراتيجية لا تُستنزف؛ بل تُبنى وتُطور وتُحاط بالثقة. الفرق الجوهري بين مؤسسة تُمكن وأخرى تُحيل أعمالها للخارج، لا يكمن في الإمكانات، بل في الفلسفة الإدارية. المؤسسة المُمكنة تعمل وفق معادلة واضحة: الثقة تسبق الأداء، والأداء يتحسن تحت سقف الثقة. أما المؤسسة التي تؤجل تمكين الكفاءات الوطنية إلى أن “تُثبت نفسها بالكامل”، فإنها دون قصد تضع حاجزاً نفسياً أمام النمو. وهذا الحاجز يُنتج ثقافة مؤسسية قائمة على الحذر بدل الجرأة، وعلى التنفيذ بدل الريادة. تجربة ART أثبتت أن الاستثمار المبكر في الشباب السعودي لم يكن مجازفة، بل قراراً إستراتيجياً ذا عائد طويل المدى.
فبعد قرابة عقدين، ما زالت الشخصيات التي خرجت من تلك المنظومة تشغل المشهد، وتؤثر في الرأي العام، وتعيد تشكيل الذائقة الرياضية والإعلامية.
وهنا تتضح نقطة مهمة، وهي ما سأوضحه في مقالة تالية.