رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أشرف رضوان : مصر تعيد ترتيب الإنفاق.. اختبار حماية المواطن والإنتاج

هير نيوز

انتقل ترشيد الإنفاق العام في مصر هذا الأسبوع إلى صدارة النقاش الاقتصادي، بعد أن بحثت الحكومة خطتها لمواجهة تداعيات التوترات الإقليمية، ثم أعلنت موافقتها، في 5 نوفمبر 2026، على مشروع قرار يتضمن ضوابط لخفض الاستهلاك، وتأجيل بعض أوجه الصرف. وتنبع أهمية هذا الملف من السؤال المطروح على الدولة والمجتمع: كيف تتراجع كلفة الإدارة الحكومية، وتظل الخدمات الأساسية والإنتاج قادرَيْن على الاستمرار؟ فالمواطن يقيس نجاح السياسة بما يلمسه في المستشفى والمدرسة والسوق، إلى جانب أثرها في الحسابات المالية
وبحسب التفاصيل التي نشرتها صحيفة «الأهرام»، يستهدف المشروع خفض استهلاك الكهرباء والإنارة بالجهات المشمولة بنسبة 20% مقارنةً بالفترة المناظرة من السنة المالية 2025/2026، وتقليص الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%. وتسري أحكامه لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به، قابلة للمد. وهذه نسب مستهدفة للاستهلاك؛ فلا تعني أن الحكومة حققت بالفعل وفرًا بالقيمة نفسها في الفواتير أو إجمالي المصروفات، ولا تتعلق بفرض نسب خفض مماثلة على الأسر.
وتكشف الموازنة لماذا أصبح البحث عن مساحة مالية إضافية أمرًا مُلحًّا؛ فقانون ربط موازنة 2026/2027 يقدّر المصروفات بنحو 5.188 تريليونات جنيه، بينها نحو 2.420 تريليون جنيه للفوائد. وبحساب نسبة الفوائد إلى إجمالي المصروفات من القيم الأصلية الواردة بالقانون، تبلغ النسبة 46.64% تقريبًا. وهذه اعتمادات مقدَّرة لسنة مالية كاملة؛ فلا يصح تقديمها باعتبارها إنفاقًا تحقق بالفعل، أو الخلط بين فوائد الدَّين وأقساط سداده التي يعرضها القانون في باب مستقل.
توضح هذه الأرقام ضيق المجال المتاح للمفاضلة بين الاحتياجات. فعندما تستوعب الفوائد هذا النصيب من المصروفات، تزداد أهمية مراجعة النفقات القابلة للضبط، ورفع كفاءة المشتريات والتشغيل. لكن تجميد بند مالي لا يساوي تلقائيًّا إصلاحه؛ فقد يؤجل الدفع إلى وقت لاحق، أو يراكم احتياجات الصيانة، أو ينقل العبء إلى جهة أخرى. ولذلك ينبغي قياس الوفر الصافي بعد احتساب كلفة التأجيل، إلى جانب متابعة مقدار ما جرى حجبه من الاعتمادات.
ويكتسب ترتيب الأولويات وزنه من الاستثناءات المعلنة؛ فقد شملت، وفق التغطية المنشورة، جهات الرعاية الصحية، وبرنامج تكافل وكرامة، ودعم السلع التموينية، إلى جانب بنود أخرى. ويحمل ذلك توجُّهًا لحماية الاحتياجات الأساسية، لكن الاختبار العملي يظل في انتظام التمويل ووصول الخدمة. فقد يبقى مخصص العلاج مستثنى، فيما تتأثر الخدمة بتأخر الصيانة أو توريد مستلزمات لازمة؛ ما يستدعي متابعة سلسلة تقديم الخدمة كاملةً، والتدخل عند ظهور اختناقات.
وفي ملف المشروعات، يتطلب إرجاء الأنشطة كثيفة استهلاك الوقود تقييمًا لكل مشروع، من حيث الآتي: نسبة إنجازه، وعائده المتوقع، وكلفة توقفه، والتزاماته تجاه المقاولين والعمال. فاستكمال مشروع أوشك على التشغيل قد يحقق إيرادًا ويوفر وظائف، بينما يؤدي تعطيله إلى زيادة الكلفة وتجميد أصول قائمة. وفي المقابل، يمكن تأجيل مشروع أقل إلحاحًا من دون خسارة مماثلة. ومن ثم، فإن المفاضلة الاقتصادية الدقيقة أجدى من تطبيق تخفيض موحَّد على مشروعات تختلف في وظائفها وجدواها.
وكانت الحكومة قد أكدت، خلال اجتماع 2 نوفمبر، إعطاء الأولوية للإنتاج والتصنيع والتصدير، وضمان توفير السلع الاستراتيجية واحتياجات البترول والكهرباء. وهذا الربط ضروري؛ لأن ترشيد الإدارة يفقد بعض أثره إذا صاحبه تعطيل الإنتاج. فخفض الهدر في انتقالات الجهات الحكومية يختلف اقتصاديًّا عن تعطيل نقل مدخلات مصنع أو منتجاته. والمطلوب أن توفّر إجراءاتُ التنفيذ الطاقةَ والموارد للأنشطة التي تولّد قيمةً وفرص عمل، مع إخضاع الاستثناءات لمعايير معلنة ومراجعة منتظمة.
وتحتاج الأشهر الثلاثة إلى آلية واضحة للمساءلة: نشر استهلاك كل جهة قبل الإجراءات وبعدها، ومقارنته بالفترة المناظرة، وبيان التغير في حجم نشاطها. فهبوط استهلاك الكهرباء بسبب توقف خدمة لا يعادل تحسن كفاءة تقديمها. كما أن اختلاف الأسعار يقتضي الفصل بين الوفر في الكميات والوفر النقدي. ومن المفيد نشر تقرير دوري يوضح المبالغ التي أُعيد توجيهها، والخدمات التي حُميت، والشكاوى التي ظهرت وكيف عُولجت، بحيث يستطيع المواطن تقييم النتيجة.
تملك مصر فرصة لتحويل ضغط الأزمة إلى مراجعة مستدامة لطريقة إدارة الموارد. ويبدأ ذلك بأن تصبح الحكومة قدوة في ضبط نفقاتها، وأن يُشرح للمواطن ما تؤجله ولماذا؟ وما تحميه وكيف؟ وعند تقييم التجربة، ستكون الأسئلة الحاسمة: هل انخفض الهدر؟ وهل استمر الإنتاج؟ وهل احتفظت الخدمات الأساسية بجودتها؟ فإذا ارتبط الوفر بهذه النتائج، أمكن بناء ثقة أوسع في السياسة المالية، وتوسيع قدرتها على مواجهة الصدمات المقبلة.

محرر بمركز تريندز أبو ظبى

تم نسخ الرابط