بقلم. الدكتور ابريك المنقوش الزوي : قرارات وهمية ودعاية رخيصة: هكذا تلاعبت هيئة مكافحة الفساد بأحلام الشباب
إن ما نطرحه اليوم يضع الإصبع على الجرح مباشرة؛ فالحديث عن آلاف المواطنين المعلقين لأكثر من ثلاث سنوات بين مطرقة قرارات التعيين الوهمية وسندان البيروقراطية هو أزمة إنسانية واقتصادية واجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هؤلاء الشباب والمواطنون ليسوا أرقاماً تُستغل للترضيات، بل هم أصحاب حق أصيل في العيش الكريم والعمل الشريف والثروة الوطنية.
جوهر المشكلة: قرارات دعائية أم حبر على ورق؟
تتجلى المأساة بوضوح في قيام هيئة مكافحة الفساد بإصدار مجموعة كبيرة من قرارات التعيين لصالح آلاف الشباب الليبيين لأغراض دعائية بحتة، بهدف الاستعراض وتحقيق مكاسب إعلامية زائفة.
لكن الحقيقة الصادمة أن هذه القرارات لم تكن سوى "حبر على ورق"؛ فالهيئة لم تُمكّن هؤلاء الشباب من مباشرة أعمالهم الفعلية، وتركتهم معلقين لأكثر من ثلاث سنوات بأسمائهم وأرقامهم الصادرة رسمياً، دون أن تُصرف لهم مرتبات أو يُسند إليهم أي عمل حقيقي.
النتيجة المؤلمة أن الجهة المفترض بها حماية النزاهة ومحاربة الفساد، تحولت -للأسف- إلى صانعة لأزمة معيشية ونفسية خانقة لهؤلاء الشباب، في ظل غياب تام لأي حسيب أو رقيب.
أين المسؤولية والمساءلة؟
عندما تُترك مؤسسة رقابية سيادية تعبث بقرارات التعيين، وتمارس المحاباة، وتمنح المباشرة لمن تشاء وتحرم المستحقين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين دور السلطتين التشريعية والتنفيذية؟
1. دور رئيس الحكومة (السلطة التنفيذية)
المسؤولية الإدارية والمالية: يتحمل رئيس الحكومة ووزارة المالية وديوان المحاسبة مسؤولية كبرى في ضبط الانفلات الوظيفي. فإصدار قرارات عشوائية دون غطاء مالي حقيقي أو بالتنسيق المسبق مع الميزانية يُعد اعتداءً على المال العام واستغلالاً لمعاناة المواطنين.
التقاعس عن المعالجة: كان ينبغي تشكيل لجان تحقيق ومتابعة فورية لوقف هذا النزيف الإداري، وإيجاد تسوية عادلة لمن صدرت بحقهم قرارات رسمية وتم تعطيلهم ظلماً، بدلاً من تركهم رهائن لمزاجية المسؤولين.
2. دور مجلس النواب (السلطة التشريعية)
الرقابة البرلمانية والمحاسبة: بما أن مجلس النواب هو من منح الثقة واختار أو أقر تولي هؤلاء المسؤولين للمناصب الرقابية، فمن المفترض أن يكون الرقيب الأول عليهم.
تفعيل أدوات الاستجواب: إن صمت البرلمان أو بطء استجابته لمثل هذه التجاوزات في الأجهزة الرقابية يعكس خللاً في منظومة الرقابة المتبادلة. كان الأجدر استدعاء المسؤولين المعنيين واستجوابهم تحت قبة البرلمان عن مصير هذه الآلاف من قرارات التعيين.
الحلول العملية لمعالجة هذه المأساة
إصدار تسوية إدارية منصفة: تشكيل لجنة وطنية مستقلة (تضم وزارة العمل، وزارة المالية، وديوان المحاسبة) لحصر المظلومين فعلياً ممن صدرت لهم قرارات واستوفت الشروط القانونية ولم تُفعّل.
تجريم التعيينات الوهمية: وضع تشريعات صارمة تجرم إصدار أي قرار تعيين سياسي أو شكلي دون توفر الشاغر المالي والميزانية المعتمدة، واعتبار إصدار قرارات الترضية جريمة استغلال نفوذ يعاقب عليها القانون.
تحريك المساءلة القضائية: فتح تحقيقات موسعة من قِبل النائب العام في الشكاوى المتعلقة بهيئة مكافحة الفساد وغيرها، ومحاسبة كل من استخدم الوظيفة العامة لأغراض شخصية أو للدعاية السياسية.
إن المواطن الليبي الذي ينتظر لسنوات يحق له أن يرفع صوته عالياً: لا معنى لوجود أجهزة رقابية إن كانت هي من يكرس الظلم ويضيع حقوق العباد.
الملحق الإعلامي السابق . للسفاره الليبيه . القاهرة