رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم فاطمة المتحمي: الجرأة تصنع القادة

هير نيوز

في مرحلة التحول المتسارع التي تعيشها المملكة العربية السعودية، لم تعد القيادة تُقاس بمدى الالتزام بتنفيذ المهام أو الحفاظ على استقرار الإجراءات فحسب، بل أصبحت تُقاس بقدرة القادة على إعادة تعريف أدوارهم، وتحريك مؤسساتهم من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل. وفي هذا السياق، تبرز الجرأة بوصفها أحد أهم مقومات القيادة الحديثة، لا باعتبارها سلوكا استثنائيا، بل مسؤولية قيادية تفرضها طبيعة المرحلة.

فالقيادة الحقيقية لا تُمنح عبر المنصب، ولا تُختزل في الأقدمية أو الخبرة التراكمية، بل تُصنع عبر مواقف جريئة، وقرارات واعية، واستعداد دائم لتحمل تبعات الخيار الصعب عندما تتطلب المرحلة ذلك. فلا تصنع اللوائح وحدها التقدم، ولا تضمن الإجراءات الصارمة النمو، بل تصنعه العقول التي تملك شجاعة تجاوز المألوف وفتح مسارات جديدة للتطوير، حتى في ظل غياب الضمانات الكاملة.

ورغم هذا الواقع، ما زالت بعض البيئات المؤسسية تتعامل مع الحذر بوصفه فضيلة مطلقة، وتغلف التردد بثوب الحكمة الإدارية، وتفسر تجنب المخاطرة على أنه حرص على الاستقرار. غير أن هذا النمط من التفكير لا يحمي المؤسسات بقدر ما يبقيها أسيرة منطقة رمادية، تتجنب السقوط لكنها في الوقت ذاته تعجز عن التقدم. فالجمود المنضبط لا يصنع تنمية، ولن يبني أي أثر مستدام، مهما بدا منسجما مع الأنظمة.

الجرأة القيادية لا تعني التهور أو القفز في المجهول دون حساب، بل تعني تحمل المسؤولية الكاملة عن القرار، واتخاذه في الوقت المناسب، حتى في ظل معطيات غير مكتملة. فالمؤسسات لا تنضج بالنجاحات وحدها، بل تتشكل خبرتها الحقيقية عبر التجارب، بما فيها تلك التي لا تحقق النتائج المرجوة في بدايتها، لكنها توسع نطاق المعرفة، وتعمق فهم الممكن والمستحيل.

فالبيئات التي تتيح لقادتها مساحة حقيقية للتجريب، وتتعامل مع الخطأ بوصفه جزءا من مسار التعلم والنضج المؤسسي، هي الأقدر على التكيف مع التحولات المتسارعة، والأسرع في استيعاب متطلبات التغيير. أما البيئات التي تحاصر الخطأ، وتكافئ الإفراط في الحذر، فإنها في الواقع لا تصنع استقرارا بقدر ما تزرع ثقافة خوف، وتغلق الطريق أمام الابتكار، مهما بالغت في رفع شعارات التطوير والتحديث.

وفي هذا السياق، تتحول الجرأة من مجرد سلوك إداري إلى موقف فكري متكامل يعيد تعريف مفهوم القيادة ذاته؛ فالقائد لا يُختبر في فترات الاستقرار بقدر ما يُختبر عند مفترقات القرار، حيث يصبح التردد أكثر كلفة من الخطأ، ويغدو البقاء في المنطقة الآمنة خطرا إستراتيجيا على المدى الطويل.

تجسدت هذه الفلسفة القيادية عمليًا في عدد من النماذج الوطنية البارزة، ومن بينها تجربة المستشار تركي آل الشيخ، التي تناولها المقال السابق بوصفها نموذجا لقيادة اختارت المغامرة المحسوبة كطريق ونهج للتطوير، ولم تكتف بإدارة الواقع، بل أعادت صياغته، وحولت قطاعات كاملة من أدوار تقليدية إلى مساحات تأثير ثقافي وتنموي عالمي، في نموذج يؤكد أن الجرأة حين تقترن بالرؤية تصبح أداة إستراتيجية لصناعة التحول لا مجرد سلوك إداري عابر.

وحين تترسخ الجرأة كقيمة مؤسسية، يتغير شكل الحوار الداخلي، ويرتفع سقف الطموح، ويتحول مفهوم النجاح من مجرد إنجاز مهام إلى القدرة على صناعة مسارات جديدة، وبناء نماذج عمل مبتكرة، وإحداث أثر يتجاوز حدود التوقعات. فأكبر خسارة قد تتعرض لها المؤسسات ليست في تجربة فاشلة، بل في فكرة لم تُمنح فرصة التجريب. فالفرص لا تضيع عند الفشل، بل تضيع عندما يُحاصر الخوف القرار، ويُقيد التردد حركة التطوير.

وفي زمن التحول الوطني الذي تشهده المملكة، لم تعد الجرأة ترفا إداريا أو خيارا شخصيا، بل أصبحت ضرورة قيادية تمليها متطلبات المرحلة. فالمنصب وحده لا يصنع قائدا، ولا الخبرة وحدها تضمن النجاح، وإنما ما يصنع القائد حقًا هو تلك الجرأة التي تدفعه للتقدم حين يتراجع الآخرون، وللمخاطرة المحسوبة حين يختار غيره السلامة، ولصناعة المستقبل بدل الاكتفاء بمراقبته.

وهكذا تُصنع القيادة، بالجرأة.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط