سر التحول الكبير.. لماذا تختفي أو تتراجع الصداقات بين النساء بعد سن الثلاثين؟
تلاحظ الكثير من النساء مع دخول مرحلة الثلاثينيات تضاؤلاً ملحوظاً في عدد الصديقات المقربات، وتحول اللقاءات الأسبوعية إلى رسائل متباعدة على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا الاختفاء ليس مجرد وهم فردي، بل ظاهرة اجتماعية ونفسية يرتبط حدوثها بتغير أولويات الحياة، ونضج الشخصية، وإعادة تعريف مفهوم الدعم النفسي لدى المرأة.
تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى هذا التباعد، حيث تتصدر إعادة ترتيب الأولويات القائمة؛ فمع حلول الثلاثينيات تتزايد المسؤوليات المهنية والعائلية، مما يقلل المساحة الزمنية المتاحة للتواصل المستمر. كما أن النضج النفسي يمنح المرأة قدرة أكبر على وضع حدود صحية، مما يدفعها للاستغناء عن الصداقات المستهلكة أو القائمة على مجرد التواجد السطحي، وتفضيل الجودة على الكم.
رأى الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي، أن تغير بنية الشخصية في مرحلة الثلاثينيات يجعل المرأة أكثر إدراكاً لاحتياجاتها النفسية والعاطفية؛ حيث يقل الاعتماد على القبول الخارجي، وتصبح الصداقة المطلوبة هي التي توفر الأمان والدعم الحقيقي دون تكلف. كما يوضح أن ضغوط الحياة المتزايدة تتطلب طاقة ذهنية كبيرة، مما يدفع العقل تلقائياً لتخفيف التزاماته الاجتماعية غير الضرورية للحفاظ على التوازن النفسي.
وفي السياق ذاته، وضح الدكتور يحيى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي، أن مرحلة الثلاثينيات تشهد نوعاً من الفرز التلقائي للعلاقات؛ إذ تبدأ المرأة في إعادة تعريف مفهوم القرب والمسافة مع الآخرين، وتتحول من الصداقات القائمة على المشاركة اليومية التفصيلية إلى العلاقات القائمة على القبول المستقر والدعم عند الحاجة، وهو ما يفسر تحول العديد من الصداقات من شكلها المباشر النشط إلى حالة من التباعد دون وجود خصومة.
إن تراجع عدد الصديقات بعد الثلاثين لا يعني بالضرورة جفاءً أو فشلاً في العلاقات، بل يعكس رحلة طبيعية من التطور والنضج النفسي؛ فالأمر لا يتعلق بالكثرة، بل بمدى عمق العلاقات ومدى قدرتها على الاستمرار وتوفير المساحة الآمنة التي تحتاجها المرأة في هذه المرحلة المتطلبة من حياتها.
