رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

مريم بدران : عندما يموت الضمير الإعلامي

مريم بدران : موت
مريم بدران : موت الضمير الإعلامي

منذ أن وُجدت الصحافة، كانت صوتًا للحقيقة، وسلاحًا في وجه الظلم، وجسرًا يربط المجتمع بالوقائع بعيدًا عن التضليل والخداع. لم تكن مجرد مهنة، بل رسالة أخلاقية وإنسانية، تحمل على عاتقها مسؤولية حماية الحق، وكشف الفساد، والدفاع عن الإنسان قبل أي شيء آخر. ولولا الصحافة الحرة والمسؤولة، لما انكشفت جرائم، ولا استُعيدت حقوق، ولا سُمعت أصوات المستضعفين.

لكن ما الذي يحدث عندما تنقلب الرسالة إلى تجارة؟ وعندما يصبح الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح؟ وعندما تُقاس قيمة الخبر بعدد المشاهدات، لا بمدى صدقه أو أثره؟
لقد أفرز العصر الرقمي ظاهرة خطيرة، وهي ظهور من يرتدون عباءة الصحافة دون أن يحملوا أخلاقها. لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن الإثارة. لا يطاردون الوقائع، بل يطاردون الترند. ولا يرون في الضحية إنسانًا له كرامة وأسرة ومستقبل، بل يرون مادة قابلة للاستهلاك، تُدرالأرباح كلما ازداد الألم.
أصبحنا نشاهد كاميرات تقتحم لحظات الحزن، وعدسات تلاحق المنكوبين، وعناوين صادمة تصاغ بعناية لاستفزاز الفضول لا لإيصال الحقيقة. تُنشر الشائعات قبل التحقق منها، وتُصدر الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته، وتُنتهك الخصوصيات باسم "حق الجمهور في المعرفة"، بينما الحقيقة أن ما يُشبع هو فضول الجمهور، لا حقه.
إن أخطر ما في هذا النوع من الإعلام أنه لا يكتفي بنقل المأساة، بل قد يصنعها.
فكم من إنسان فقد عمله بسبب خبر كاذب؟ وكم من أسرة تمزقت بسبب إشاعة انتشرت أسرع من الحقيقة؟ وكم من بريء حُكم عليه مجتمعيًا قبل أن تثبت براءته؟ وكم من شخص عاش تحت وطأة التنمر والتشهير حتى انهارت صحته النفسية؟ وفي بعض الحالات المأساوية، ارتبطت حملات التشهير والضغط الإعلامي بانتحار أشخاص لم يجدوا مخرجًا من الحصار الذي فرضته عليهم الشائعات والأحكام المسبقة.
الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل قوة قد تبني مستقبل إنسان، وقد تهدمه في لحظة. والخبر الكاذب لا يموت بمجرد حذفه، لأن أثره يبقى في ذاكرة الناس، وفي سمعة الضحية، وفي حياة عائلته. أما الاعتذار، إن جاء، فلا يعيد الكرامة التي انتهكت، ولا يمحو الألم الذي خُلف وراءه.

ولهذا، فإن التحقق من المعلومات ليس إجراءً شكليًا، بل هو جوهر العمل الصحفي. يبدأ بالاعتماد على مصادر موثوقة ومتعددة، والاستماع إلى جميع الأطراف، ومراجعة الوثائق والأدلة، والتفريق بين الوقائع والادعاءات، والامتناع عن نشر أي معلومة لا يمكن التثبت منها. فالصحفي المهني لا ينشر ما يثير الجدل فقط، بل ينشر ما يستطيع الدفاع عن صحته أمام ضميره وأمام المجتمع.
إن حرية الصحافة لا تعني حرية الإساءة، وحرية التعبير لا تعني اغتيال السمعة، والسبق الصحفي لا يمنح أحدًا حق انتهاك خصوصية الناس أو المتاجرة بآلامهم. فالأخلاق ليست قيدًا على الصحافة، بل هي الضمانة الوحيدة لبقائها جديرة بثقة المجتمع.
والمؤلم أن بعض المنصات اكتشفت أن الفضائح أكثر ربحًا من الحقائق، وأن الشائعات أسرع انتشارًا من الأخبار الموثقة، وأن دموع الناس تجذب الجمهور أكثر من احترام كرامتهم. وهكذا تحولت المآسي الإنسانية إلى سلعة، والضحايا إلى أرقام في تقارير المشاهدة، والضمير إلى أول ضحية في سباق الأرباح.

ورغم ذلك، لا يجوز أن نضع الجميع في سلة واحدة. فما زال هناك صحفيون شرفاء يدفعون ثمن تمسكهم بالمهنية، ويرفضون نشر خبر قبل التحقق منه، ويعتبرون احترام الإنسان جزءًا لا يتجزأ من رسالتهم. هؤلاء هم من يحافظون على مكانة الصحافة، ويثبتون أن المهنة ما زالت قادرة على إنقاذ المجتمع لا استغلاله.

لقد علمني التكوين العلمي أن الحقيقة لا تُبنى على الظنون، وأن أي معلومة لا تُختبر قد تتحول إلى كارثة. فالطبيب الجيد لا يصف علاجًا قبل تشخيص دقيق، لأنه يعلم أن قراره قد يرتبط بحياة إنسان. والباحث الجيد لا يعلن نتيجة قبل التحقق منها، لأنه يدرك أن العلم مسؤولية قبل أن يكون معرفة. فكلاهما يعمل وفق مبدأ واحد: الدقة، والتحقق، وعدم إلحاق الضرر.
ومن هذا المنطلق، كيف يقبل صحفي أن ينشر خبرًا أو اتهامًا دون دليل، وهو يعلم أن الكلمة قد تهدم حياة إنسان بأكملها؟ فإذا كان الخطأ الطبي قد يهدد الجسد، فإن الخطأ الصحفي قد يغتال السمعة، ويحطم الأسر، ويترك جراحًا نفسية عميقة قد تدفع بعض الأشخاص إلى اليأس. لذلك فإن أخطر ما في الإعلام ليس الكلمة الصادقة، بل الكلمة الكاذبة عندما تُنشر بلا ضمير.
إن المجتمعات لا تحتاج إلى إعلام يصنع الضحايا، بل إلى صحافة تصنع الوعي وتحمي الإنسان قبل الخبر. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، والمهنية لا تحتاج إلى فضائح، والضمير لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الصحفي على إدراك حجم المسؤولية التي يحملها.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل من يحمل كاميرا أو قلمًا أو منصة إعلامية:
كم تساوي ملايين المشاهدات إذا كان ثمنها إنسانًا حُطمت حياته بكلمة؟

توقفوا عن تحويل آلام الناس إلى سلعة، وعن المتاجرة بجراحهم من أجل الانتشار والربح. توقفوا عن إعلام موجه تحركه المصالح، وتغذيه الإثارة، ويغيب عنه الإنسان قبل الخبر. فحين يصبح الضحية مجرد رقم، والمأساة مجرد فرصة، تفقد الصحافة جوهرها وتتحول من رسالة تبحث عن الحقيقة إلى أداة تصنع الألم.

فالصحافة التي تنقذ الإنسان وتحفظ كرامته هي رسالة ومسؤولية، أما الصحافة التي تتاجر بمأساته وتبيع وجعه للجمهور فليست صحافة... إنها سقوط أخلاقي يرتدي قناع الإعلام.

 

تم نسخ الرابط