اليوم العالمي للمرأة في الهندسة.. مهندستان من شركة سيلزفورس تُساهمان في بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي في المنطقة
دخلت ماريون كارانجا إلى اجتماعات عدة سمعت خلالها سؤالًا مثل: "هل سينضم المهندس إلى الاجتماع؟" رغم أنها كانت جالسة بالفعل حول الطاولة. أما لوما عباس، فقد وجدت نفسها في أكثر من مناسبة المرأة الوحيدة في الغرفة.
ورغم اختلاف المسافة الجغرافية والمسار المهني بينهما، توصلت مهندستا الحلول في سيلزفورس إلى القناعة نفسها، وهي أن الهدف لم يكن يومًا أن تندمجا مع الآخرين، بل أن تضيفا شيئًا جديدًا تفتقده الغرفة.
وفي اليوم العالمي للمرأة في الهندسة الذي يوافق 23 يونيو تحت شعار #الذكاء_الهندسي، يتم تسليط الضوء على النساء اللواتي يسهمن في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي والتقنيات التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة من عالم الأعمال.
بدأت رحلة كارانجا في كينيا، في حين انطلقت مسيرة عباس من مصر. واليوم تعملان في سيلزفورس بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تلتقي التكنولوجيا بالأعمال، وتساعدان المؤسسات على استكشاف الإمكانات العملية للذكاء الاصطناعي وكيفية توظيفه لتحقيق قيمة حقيقية.
نشأت كارانجا في أسرة متواضعة في كينيا، وهي ابنة موظف حكومي كان يمارس الزراعة إلى جانب عمله لتأمين احتياجات الأسرة. وكان والدها يردد لها باستمرار أنها قادرة على تحقيق أي شيء تريده، حتى أصبحت تؤمن بذلك تمامًا.
وجاء إلهامها لدراسة الهندسة من عمّها، الذي كان الشخص الوحيد في العائلة الممتدة القادر على امتلاك سيارة. وبالنسبة لطفلة صغيرة، كانت الرسالة بسيطة: المهارات التقنية يمكن أن تفتح أبواب الفرص. وتابعت لاحقًا دراسة هندسة الاتصالات والمعلومات، وعندما سنحت لها فرصة السفر إلى ألمانيا للتدرب، باع والدها بقرة للمساعدة في تغطية تكاليف تذكرة السفر.
وقالت ماريون كارانجا: "أنا اليوم مهندسة لأن شخصًا ما منحني فرصة."
أما لوما عباس، فقد كانت منذ طفولتها ذلك النوع من الأطفال الذين لا يتوقفون عن طرح الأسئلة، وتسعى دائمًا إلى فهم ما يحدث في الكواليس بدلًا من الاكتفاء بمعرفة أن الأشياء تعمل فحسب. وخلال نشأتها في مصر، رأت في التكنولوجيا مجالًا قادرًا على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس من خلال الابتكار. وقادها هذا الفضول إلى دراسة الهندسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة.
وتوضح عباس أنه لم تكن هناك لحظة مفصلية واحدة دفعتها لاختيار هذا المسار، بل كان إيمانها الراسخ بأن الهندسة تمنح الإنسان القدرة على حل المشكلات الواقعية، وإحداث تأثير ملموس هو ما رافقها طوال رحلتها المهنية ولا يزال يشكل مصدر إلهام لها حتى اليوم.
الشجاعة لتغيير المسار
كان بإمكان كلتا السيدتين البقاء في المجال التقني البحت، لكنهما لم تفعلا ذلك. بدأت ماريون كارانجا مسيرتها المهنية في شركة IBM ضمن حساب شركة Airtel، قبل أن تنتقل إلى دور قيادي تقني في إحدى شركات الاستشارات، ثم انضمت إلى Oracle لتتولى منصب مهندس أول للحلول التقنية، حيث شاركت في نقاشات معمّقة حول الحوسبة السحابية والأمن السيبراني والبيانات وهندسة البنى التحتية مع عملاء من قطاعي الأعمال والحكومة.
ومع مرور الوقت، أدركت أنها تريد مسارًا مختلفًا، لا يقتصر على الحديث مع الفرق التقنية، بل يمتد إلى مساعدة قادة الأعمال على ربط التكنولوجيا بالاستراتيجية والنمو والتأثير. هذا الإدراك قادها إلى الانضمام إلى سيلزفورس.
أما لوما عباس، فقد بدأت مسيرتها في منصب مهندس أمن شبكات، تعمل على إعداد جدران الحماية، واستخدام مجموعة من تقنيات الأمن السيبراني. ورغم استمتاعها بالجانب التقني، فقد رغبت في الاقتراب أكثر من العملاء والمشاركة في صياغة الحلول بدلًا من تنفيذها فقط.
تقول عباس: " بالنظر إلى الماضي، أشعر بالفخر لأنني لم أسمح للخوف من التغيير أن يشكل عائقًا أمامي". فالانتقال إلى دور ما قبل المبيعات يعني الخروج من منطقة الراحة وبداية رحلة تعلم جديدة، لكنها أقدمت على هذه الخطوة الجريئة.
مسارات مهنية عابرة للحدود
لم يكن أيٌّ من المسارين مستقيمًا، ولم يقتصرا على بلد واحد. فقد تنقلت رحلة كارانجا من كينيا إلى ألمانيا ثم إلى الإمارات العربية المتحدة. وفي ألمانيا، حيث كانت واحدة من امرأتين فقط ضمن بيئة تقنية واسعة، تعلمت أن التحديات التي تواجه المرأة في مجال الهندسة لا تقتصر على بلدها الأم، بل هي تحديات عالمية. أما الإمارات العربية المتحدة، بما تتميز به من جرأة واستعداد للتجربة، فقد شكلت لها مصدر إلهام وتحدٍ معًا. واليوم، تتعلم كارانجا اللغة العربية، وتصف اللغات بأنها ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما وسيلة للدخول إلى عالم الآخر بتواضع وفهم أعمق.
أما لوما عباس، فقد انتقلت من مصر إلى أيرلندا ثم إلى الإمارات العربية المتحدة، لتخوض غمار فرص وثقافات وتحديات جديدة في كل خطوة. وتوجه عباس نصيحة للنساء اللواتي يفكرن في الانتقال إلى الخارج بأن يحافظن على التمسك بجذورهن مع الانفتاح على التجارب الجديدة، حيث تقول: "أنت لا تفقد هويتك عندما تنتقل إلى الخارج، بل توسّعها". وتؤكد أن المسار الذي يشمل عدة دول ليس مجرد سلسلة من المنعطفات، بل هو مزيج فريد لا يملكه أحد غير صاحبه، وميزةٌ حقيقية عندما يتمكن الشخص من التعبير عن قيمته وإبراز ما يمنحه هذا التنوع من قوة.
تسليط الضوء على الذكاء الهندسي
يركّز موضوع هذا العام على دور المرأة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي، وهذا ما تمثله كل من كارانجا وعباس فعليًا. وبالنسبة لماريون كارانجا، فهي تركز على قطاعات السفر والنقل والضيافة، حيث أصبحت محادثاتها المهنية تتركز بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي والبيانات وتجربة العملاء. وتعتبر أحد أبرز إنجازاتها حتى الآن لحظة صعودها إلى المنصة خلال حدث "جولة سيلزفورس العالمية في دبي" لتقديم عرض توضيحي رئيسي لتقنية Agentforce. وبالنسبة لها، كانت لحظة فخر، فهي فتاة من كينيا باع والدها بقرة ذات يوم ليتمكن من إرسالها إلى الخارج، لتقف اليوم ضمن منصة تقنية عالمية وتتحدث عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأعمال.
أما لوما عباس، فالذكاء الاصطناعي يغيّر بالفعل طريقة عملها، إذ يتولى المهام الروتينية المتكررة، ما يمنحها وقتًا أكبر للإبداع وحل المشكلات والتفكير الاستراتيجي. وتتيح لها وظيفتها استكشاف قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة قبل وصولها إلى السوق، واختبار كيفية ضمان قيمة حقيقية للعملاء.
وتتفق السيدتان على نقطة جوهرية: تظهر أفضل الحلول عندما يجتمع أشخاص من خلفيات وتجارب مختلفة ويكونون حاضرين أثناء بناء هذه الأدوات، لأن هذا التنوع يساعد على تحدي الافتراضات ويضمن مراعاة الاحتياجات الإنسانية الحقيقية أثناء تصميم هذه الأدوات.
ما الذي ستقوله كل منهما للمرأة القادمة في مجال الهندسة؟
عند سؤال السيدتين عن النصيحة التي ستقدمها كل منهما لامرأة شابة تبدأ مسيرتها المهنية، جاءت إجاباتهما متناغمة رغم اختلاف التجربة.
تقول لوما عباس: "لا تنتظري حتى تشعري بأنكِ مستعدة بالكامل. الثقة غالبًا تأتي بعد الفعل وليس قبله."
أما ماريون كارانجا، فترى أن الرسالة الأهم لأي امرأة تشعر بأنها الوحيدة في الغرفة هي: "أنتِ تنتمين إلى هذا المكان، ولستِ وحدك، فهناك من سبقك وهناك من سيأتي بعدك."
وتعود كلتاهما باستمرار إلى كلمة واحدة مشتركة: الفرصة، وما يرتبط بها من مسؤولية نقلها إلى الآخرين. فقد ألقت كارانجا محاضرات في جامعة غاريسا في شمال كينيا، وتشغل حاليًا عضوية مجلس إدارة شركة تكنولوجيا زراعية تدعم المزارعات الصغيرات، وهو دور يجمع بين جذورها وعملها في مجال الهندسة ورغبتها في رد الجميل.
أما عباس فتؤكد على أهمية الإرشاد والدعم المهني والتجربة العملية المبكرة، وأنها من العوامل التي تدفع الجيل القادم، معتبرة أن التمثيل مهم، لكن بناء مسارات واضحة نحو القيادة لا يقل أهمية.
وبين بداية غير متوقعة في كينيا بعد بيع بقرة للسفر والبدء بمسيرة مهنية ناجحة، وتجربة مهنية انطلقت من تكوين جدران حماية للشبكات في مصر، تصل الرحلتان أخيرًا إلى منصة واحدة.
تختم كارانجا قائلة: "مسؤوليتي هي أن أستخدم هذه الفرصة لتوفير فرص أكبر للآخرين."