بقلم أحمد صالح حلبي : المقاهي الأدبية في العالم العربي
قبل أن تبرز وسائل الإعلام بصورتها المتمثلة في الإذاعة والصحافة والتلفاز ، وتظهر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ، كانت الأحاديث واللقاءات بين الأفراد تجري بشكل مباشر فلا مسافات فاصلة ، مما جعل لغة الحوار تتواصل وترتقي .
وكان مقهى الفيشاوي في القاهرة والذي أنشئ عام 1797م مقرا للأديب المصري العالمي نجيب محفوظ ، وارتاده العديد من الادباء أمثال عباس العقاد، والمازني، ومحمد حسين هيكل، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وأحمد رامي، ومحمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، وبيرم التونسي، ونزار قباني، وعبد الرحمن الأبنودي وغيرهم.
وكما برز مقهى ريش في القاهرة بالقرب من ميدان طلعت حرب ، والذي كان ملتقى الأدباء والمثقفين، أمثال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وصلاح جاهين، وثروت أباظة، ونجيب سرور، وكمال الملاخ، والرسام أحمد طوغان، والمحامي الأديب عباس الأسواني، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وإمام العبد، ومحجوب ثابت وغيرهم ، ومقهى زهرة البستان في القاهرة وكان يرتاده الأدباء الشباب ، ومقهــى الهافانــا في دمشق ومن رواده محمد الماغوط، ونزار قباني، والشاعر العراقي، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ومحمد مهدي الجواهري. وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا وتبادلوا الأفكار داخل أروقته لسنوات عديدة.
ومقهى الخفافين في بغداد الواقع على نهر دجلة ، والذي يعد واحد من أشهر وأقدم مقاهي بغداد، وحسب الشيخ جلال الحنفي مؤرخ بغداد، فإن المقهى بني مع بناء المدرسة المستنصرية في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، ونسب اسمه “الخفافين” إلى صناع الجلود من الحرفيين الذين كانوا يصنعون الخف أو الأحذية.
وفي تونس كان مقهى العهد الجديد بالعاصمة التونسية تونس ، إضافة لمقهى الأندلس في مدينة تستور التي تبعد عن العاصمة تونس نحو 80كم والذي تحول إلى بنك ، فرثاه الروائي شكري المبخوت ، ثم أعيد افتتاحه عام 2022 حيث أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية الدكتورة حياة قطاط القرمازي على إعادته .
ومن ابرز مقاهي الشمال الافريقي مقهى «النهاية» في الجزائر الذي لعب دورا في مقاومة الاستعمار وكان مركز اتصال للمقاومة، وفيه اختيرت قصيدة «قسمًا بالنازلات الماحقات» والتي أصبحت نشيدًا رسميًّا للبلاد.
وفي كتابه "مقاهي الأدباء في الوطن العربي" للكاتب التونسي الأستاذ رشيد الذوادي الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة 1996م عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، في 274 صفحة من الحجم المتوسّط وصدرت الطبعة الثانية مؤخرا في تونس عن دار القلم للنشر ، تحدث الكاتب عن أشهر المقاهي الثقافية التي عرفها العراق في القرن العشرين، فوصفها أنها "مثلت العمق الشعبي وحلقات الاتصال بين الناس، وعمقت وجدانهم وإحساسهم بالتواصل" ، كما أنها في الوقت نفسه، كانت "بمثابة المدارس الشعبية المفتوحة وذات الطابع المتميز" .
ولأهمّية الكتاب وقيمته كتب مقدمته الأديب العالمي نجيب محفوظ تحت عنوان «المقهى الأدبي والذّاكرة الشعبيّة ». وممّا جاء في هذا التّقديم الجميل : «المجالس والنّوادي والحلقات الفكريّة ليست دخيلة على تراثنا الحضاري، ذلك أنّنا لو بحثنا في هذا التّراث، لوجدنا ما يبهرنا حقّا .. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّنا أمّة لها تاريخ وحضارة، ومجد وسؤدد. ومن هنا تأتي أهمّية النّوادي في (أيّام زمان).. فالكلّ يروي الكثير عن نوادي أدباء قرطبة والقاهرة والقيروان وبغداد ودمشق وسواها. لهذا كلّه أرى أنّ هذه النّوادي الأدبيّة مثّلت ظاهرة صحيّة وإرثا حضاريّا نفخر به، ونعتزّ أيضا .. والمقهى في الذّاكرة ( الشّعبيّة) كان يرتاده (الحكواتي ) والأدباء، وفيه حصلت أقاصيص شائقة، واستأثر باهتمام المؤرّخين والنّقّاد والأدباء، ولعب دورا في إنهاض همم الأدباء والنّقّاد والمبدعين، وأسهم بالتّالي في ( الحوار الموصول ) بين المبدعين ورجالات الفكر على مرّ الأيّام ».
وفي حديثه عن المقاهي والمجالس الأدبية في المملكة العربيّة السعودية يذكر بعض المقاهي الأدبيّة ومجالس الأدباء في المملكة منها ( قهوة الفيشاوي ) في مدينة جدّة الواقعة بين شارع باب جديد وحارة المظلوم إحدى حارات جدة التاريخية الأربع الرئيسة ، و(مقهى الأبراج ) الموجود على شاطئ الحراء ويتوافد عليه مجموعة كبيرة من الأدباء والشعراء، وشاطئ الحراء هو أحد الشواطئ المجانية الواقعة في مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر، ويُعرف بأنه مكان شعبي يرتاده الناس للسباحة والاستمتاع ، وأصبح المقهى ملتقى الكثير من الكتّاب لقربه من ( نادي جدّة الأدبي ) ومقاهي أخرى في الرّياض وفي مكة المكرّمة في (جرول ) و (المسفلة) و( الشهداء ) .
وحديث المؤلف عن مقاهي مكة المكرمة وإيراد حي المسفلة كأحد الأحياء التي تحتضن المقاهي يسوقنا للحديث عن قهوة عبدالحي الواقعة بحي المسفلة وتحديدا بالقرب من بركة " ماجن " ، وكانت عبارة عن ملتقى ثقافي وادبي يرتادها العديد من الأدباء ومنهم عبدالله عريف ، محمد حسين زيدان ، عبدالرزاق بليلة ، صالح محمد جمال ، عبدالعزيز الرفاعي ـ رحمهم الله ، لمناقشة القضايا الأدبية والفكرية ، وكانت مجلتا المصور والهلال المصريتان من أبرز المجلات الدورية التي يناقشون موضوعاتها لما تحويه من قضايا ثقافية، وقصائد شعرية وحوارات فكرية .
وفيها اجتمع رواد الأدب السعودي مثل حمزة شحاتة، أبرز شعراء التجديد في الشعر السعودي، وكانت رسائله لأصدقائه نموذجًا للنثر العربي الحديث ، وحينما أجريت حوارا صحفيا مع الأديب والناقد، والإذاعي السعودي البارز ؛ الأستاذ عزيز ضياء ـ يرحمه الله ـ عام 1414 هــ ، قال: كانت هذه الاجتماعات في المسفلة عند بركة ماجد وقد احتكرت رابية تشرف على هذه البركة وعلى مزارع باخطمه وسميتها ، الأولمبي ) ، كنا نقضي معظم الليالي في هذه الأولمبي يقصده حتى الأصدقاء من جدة كالمرحوم محمد سعيد عتيبي والمرحوم أحمد عباس ( الذي كنا نسمية " كوفي ويذ ميلك " ) لأنه كان يعرف الإنجليزية ويشرب القهوة بالحليب .
ومن المقاهي الأدبية في مكة المكرمة قهوة الشربيني في العزيزية والتي ذكرها الأستاذ محمد علي يماني بمقاله المنشور بموقع قبلة الدنيا بتاريخ 11 أكتوبر 2010 ، وأشار إلى أن ابرز روادها الاستاذ الرائد ابراهيم خفاجي كلاعب كرة وكان يطلق عليه "ضد الكسر" وكذا صدقة سلطان ، فؤاد زبيدي، حسن نقيطي "حارس مرمى".
فيما قال عنها الأستاذ خالد الحسيني في كتابه " حياة في الصحافة والتربية " ، أنها ضمت مركزاً أسسه الصحافي حينها الدكتور إبراهيم الدعيلج ـ يرحمه الله ـ .
ومن المقاهي المشهورة في مكة المكرمة قهوة أبو فراج في جياد، والتي اشتهرت بقراءة القصص والروايات المغتربة .
وفي التسعينات الهجرية عُرف في مكة المكرمة وتحديدا في حي العزيزية "كازينو الشجرة" المملوك للأستاذ ابراهيم خفاجي وكان ملتقى لطلاب جامعة أم القرى بحكم قربه من الجامعة ، كما قصده عدد من رجال الاعلام
[email protected]
@ashalabi1380