بقلم ..مروة عثمان..زينة وخزينة
جلست مريم في أحد المقاهي المطلة على النيل تنتظر زوجها جورج ليتناولا الغداء معًا بعد انتهاء عمله. كان ذلك اليوم مميزًا، فهو ذكرى زواجهما، وهي عادة حرصا عليها لأكثر من عشرين عامًا.
لم يُرزق الزوجان بأطفال رغم محاولاتهما الكثيرة وزياراتهما المتكررة للأطباء، لكنهما في النهاية رضيا بقضاء الله وقدره، واكتفيا بحبهما لبعضهما البعض، ووزعا مشاعر الأبوة والأمومة على أقاربهما وأبناء الجيران.
نظرت مريم إلى مياه النيل وهي تسترجع ذكريات الماضي، يوم كانت عروسًا شابة، ويوم وعدها جورج أنه لن يتخلى عنها مهما حدث، ووعدته هي بالمثل. ابتسمت وهي تحدث نفسها:
"صحيح أن الإنسان لا ينال كل شيء في الدنيا، لكن يكفيني حب جورج لي واحترامه. حتى اليوم ما زال يعاملني وكأنني العروس الجميلة التي أحبها منذ سنوات طويلة.قطع أفكارها صوت مألوف، فقد وصل جورج ، واقترب منها مبتسمًا وهو يقول: حبيبتي الجميلة... وحشتيني. كل سنة وإحنا مع بعض وبخير.
ثم قدم لها هدية صغيرة. فتحتها مريم لتجد بداخلها سوارًا من الذهب.
قالت له بحب: ليه كده يا حبيبي؟ كل سنة تتعب نفسك وتجيب لي هدية أغلى من اللي قبلها.
فضحك قائلاً: يا حبيبتي، الذهب زينة وخزينة، ومفيش أغلى منك عندي في الدنيا.
تنهدت مريم بحزن خفيف وقالت: وكل ده هسيبه لمين؟
أجابها مبتسمًا: استمتعي بيه دلوقتي، وبعد عمر طويل لما تفتكريني ادعيلي.
قاطعت كلامه بسرعة: بعد الشر عليك. أنا مش متخيلة حياتي من غيرك.
تناولا الغداء معًا، ثم قضيا أمسية جميلة في رحلة نيلية وسط الأضواء الهادئة والهواء العليل، قبل أن يعودا إلى منزلهما وهما يتبادلان الضحكات والذكريات الجميلة.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت مريم متأخرة، فتذكرت أن جارتها أمينة ستسافر إلى الحج، وأن عليها مساعدتها في تجهيز أغراض السفر. أسرعت إلى منزلها، وهناك استقبلتها هناء ابنة أمينة بحفاوة كبيرة.
كانت هناء متزوجة منذ خمس سنوات ولم تُرزق بأطفال، وهو ما سبب لها حزنًا شديدًا ومشكلات متكررة مع زوجها. حاولت مريم التخفيف عنها وقالت: اصبري يا بنتي، وربنا كريم. إن شاء الله هيفرح قلبك قريب. وأنا ومامتك هندعيلك من قلبنا.
ابتسمت هناء وسط دموعها، وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة بشيء من الأمل...
ومرت الأيام، وسافرت أمينة إلى الحج، وهناك دعت لابنتها أمام الكعبة أن يرزقها الله طفلًا يملأ حياتها سعادة. وفي الوقت نفسه لم تنسَ مريم الدعاء لها أيضًا، فقد كانت تشعر بألمها وكأنها ابنتها الحقيقية.
وبعد فترة قصيرة، تحقق الحلم الذي انتظرته هناء طويلًا، واكتشفت أنها حامل. كان الخبر أشبه بمعجزة أعادت الفرح إلى بيتها، وأول شخص اتصلت به لتشاركه فرحتها كانت مريم..
ما إن سمعت مريم صوت هناء وهي تبكي من شدة السعادة وتقول: طنط... أنا حامل!
حتى أطلقت زغرودة عالية ملأت المكان، ثم رفعت يديها إلى السماء قائلة: الحمد لله... الحمد لله يا رب. كنت متأكدة إن ربنا مش هيخذلنا.
كانت مريم وقتها تقضي يومين مع جورج في الإسكندرية، لكنها وعدت هناء أن تعود فورًا لتساعدها حتى عودة والدتها من الحج.
وبالفعل، وقفت إلى جوارها طوال فترة الحمل الأولى، تتابع راحتها وتهتم بها وكأنها ابنتها الحقيقية. وعندما عادت أمينة من الحج، وجدت ابنتها تحمل بين أحشائها البشرى التي انتظرتها سنوات طويلة، فبكت من الفرح وحمدت الله كثيرًا.
مرت الشهور سريعًا، وجاء اليوم المنتظر.
وضعت هناء طفلة جميلة أضاءت البيت بضحكاتها البريئة، فاجتمع الجميع حولها فرحين. وعندما سألها زوجها عن اسم المولودة، نظرت هناء إلى مريم وقالت: هسميها مريم... زي أغلى إنسانة في حياتي.
لم تتمالك مريم نفسها من البكاء، واحتضنت الطفلة الصغيرة وهي تشعر وكأن الله أهدى إليها جزءًا من حلم قديم لم يكتمل.
كبرت الصغيرة مريم وسط حب الجميع، خاصة مريم الكبيرة التي كانت تراها كل يوم تقريبًا. كانت تحملها، وتحكي لها القصص، ، حتى صار أهل الحي يطلقون عليهما اسم "مريم الكبيرة ومريم الصغيرة".
ومرت السنوات.
كبرت الطفلة وأصبحت فتاة جميلة وذكية، بينما بدأت السنوات تترك آثارها على وجوه الكبار.
وفي أحد الأيام، انقلبت حياة مريم رأسًا على عقب.
فقد رحل جورج بعد رحلة مرض قصيرة، تاركًا خلفه فراغًا هائلًا في قلب زوجته.
لم تستطع مريم تقبل الفكرة.
فبعد أكثر من أربعين عامًا من الحب والصحبة، وجدت نفسها وحيدة لأول مرة.
أغلقت على نفسها باب الحزن، ورفضت الطعام والشراب، حتى اضطر الأطباء إلى متابعتها باستمرار.
كانت هناء تزورها يوميًا، وتجلس بجوارها ساعات طويلة، بينما كانت مريم الصغيرة تحاول إدخال البهجة إلى قلبها بأي طريقة.
لكن بعض الأحزان لا يداويها إلا الزمن.
ومع مرور السنوات بدأت مريم تستعيد شيئًا من توازنها، فعادت إلى زيارة أقاربها، وإلى الذهاب للكنيسة للصلاة والدعاء لزوجها الراحل.
وكان أكثر ما يسعدها فنجان القهوة الصباحي الذي تشاركه مع جارتها أمينة، تمامًا كما اعتادتا منذ سنوات طويلة.
لكن الحياة كانت تخبئ لها وداعًا آخر.
فقد رحلت أمينة هي الأخرى بعد صراع مع المرض.
وقفت مريم أمام قبر صديقتها وهي تشعر أن جزءًا جديدًا من روحها قد غادر معها.
همست والدموع في عينيها: استنيني يا أمينة... أكيد هنتقابل تاني.
بعد رحيل أمينة، بدأت صحة مريم تتراجع تدريجيًا.
وذات يوم اصطحبها ابن أخيها سامي إلى الطبيب بعد أن لاحظ كثرة نسيانها للأشياء.
وبعد الفحوصات، أخبرهم الطبيب بحزن: للأسف... بدأت أعراض الزهايمر تظهر عليها، وهي تحتاج إلى رعاية مستمرة.
حاول سامي وزوجته الاهتمام بها قدر استطاعتهما، لكن ظروف الحياة والعمل جعلتهما يستعينان بجليسة ترافقها طوال الوقت.
وفي تلك الأثناء، كانت مريم الصغيرة قد أنهت الثانوية العامة بتفوق، وجاء تنسيق الجامعة بالقرب من منزل جدتها.
قررت هناء الانتقال مؤقتًا إلى شقة والدتها القديمة حتى تنهي ابنتها دراستها الجامعية.
وفي أول يوم لوصولها، توجهت كعادتها إلى شقة جارتها العزيزة.
فتحت الجليسة الباب.
وما إن دخلت هناء حتى سمعت صوتًا ضعيفًا من الداخل يقول: هناء... تعالي يا حبيبتي.
تجمدت الجليسة في مكانها.
فالسيدة العجوز كانت تنسى أسماء الجميع، حتى أقاربها، لكنها تعرفت على هناء فور سماع صوتها.
أسرعت هناء نحوها واحتضنتها باكية.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت تزورها يوميًا.
تحضر لها القهوة كما كانت أمينة تفعل قديمًا.
تجلس بجوارها، وتحكي لها أخبار الناس والحي.
وتصحب معها مريم الصغيرة التي كانت تعاملها كجدة حقيقية.
شيئًا فشيئًا بدأت مريم تستعيد بعضًا من نشاطها وابتسامتها.
وكانت تقول دائمًا: ربنا عوضني عن أولاد ما جبتهمش... بناس حبتني من قلبها.
ومرت أربع سنوات الجامعة سريعًا.
وفي يوم تخرج مريم الصغيرة بتفوق، أقامت هناء احتفالًا كبيرًا دعت إليه كل من عرفوا مريم وأحبوها.
جلست مريم العجوز وسط الجميع تراقب الوجوه السعيدة.
وفجأة طلبت من سامي، ابن أخيها، أن يحضر علبة صغيرة كانت قد أوصته بشرائها.
فتحها وأعطاها لها.
ثم نادت على مريم الصغيرة.
ناولتها سوارًا ذهبيًا جميلًا وقالت:
البسيه يا بنتي.
قالت الفتاة بتأثر: يا طنط... ده غالي أوي.
ابتسمت مريم والدموع تلمع في عينيها وقالت: كان جورج دايمًا يقول لي: الذهب زينة وخزينة... خليه معاكي وافتكريني بيه.
ساد الصمت.
شعرت هناء بغصة في قلبها.
كان في كلامها شيء يشبه الوداع.
احتضنتها بقوة وقالت:
ربنا يديكي الصحة وطولة العمر.
ابتسمت مريم في هدوء وأجابت:
العمر الحقيقي مش بعدد السنين... العمر الحقيقي بعدد الناس اللي بتحبك.
وفي تلك الليلة عادت إلى منزلها، ونامت بهدوء لم تعرفه منذ سنوات طويلة.
وفي الصباح، طرقت هناء الباب كعادتها.
لكن لم يجبها أحد.
فتحت الجليسة الباب وهي تبكي.
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.
نظر إلى مريم النائمة على سريرها، ثم أغلق عينيه بحزن وقال:
البقاء لله... لقد رحلت في سلام.
انهارت هناء باكية.
جلست بجوارها تمسك يدها الباردة وتهمس: وداعًا يا أمي الثانية... وداعًا يا صاحبة القلب الطيب.
ورغم أن مريم لم تنجب طفلًا يومًا، إلا أنها تركت خلفها أسرة كاملة من القلوب التي أحبتها.
رحلت عن الدنيا، لكنها بقيت حية في الذكريات، وفي دعوات من عرفوها، وفي فتاة تحمل اسمها وتروي للأجيال القادمة حكاية امرأة علمتها أن الأمومة ليست بالإنجاب فقط، بل بالمحبة والعطاء والوفاء.
وهكذا اجتمع جورج وأمينة ومريم مرة أخرى في ذاكرة من أحبوهم، وبقيت قصتهم شاهدًا على أن أجمل العلاقات هي تلك التي تُبنى بالحب الصادق، وأن الإنسان قد يرحل بجسده، لكنه يبقى حاضرًا في قلوب من ترك لهم أثرًا طيبًا لا يزول..