الأربعاء 04 فبراير 2026
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم فاطمة المتحمي: حين تتحول الكلمة إلى قيمة اقتصادية

هير نيوز

في إحدى أمسيات ديوانية القلم الذهبي، لم يكن الحديث عن الأدب بوصفه نصوصاً تُقرأ وتُتداول، بل بوصفه كياناً حياً يمكن أن يُدار ويُستثمر ويُبنى عليه أثر ثقافي واقتصادي مستدام. كان النقاش يلامس سؤالاً جوهرياً في زمن تتغير فيه مفاهيم الصناعة والإنتاج: كيف يمكن للأدب أن يكون جزءاً من الاقتصاد الوطني دون أن يفقد روحه وهويته وعمقه الإنساني؟

منذ انطلاقتها، لم تكن ديوانية القلم الذهبي مجرد مساحة لقاء، بل منصة واعية تُعيد تشكيل العلاقة بين المثقف والمجتمع، وبين الكلمة والواقع. أسهمت الديوانية في إثراء المشهد الأدبي والثقافي عبر حوارات نوعية، واستضافة أصوات مؤثرة، وخلق بيئة تُعيد للأدب مكانته الطبيعية، وتمنح الكُتّاب مساحة تليق بقيمة ما يقدمونه.

عنوان الندوة «اقتصاد الأدب» لم يكن مجازياً أو تنظيرياً، بل طرح تصوراً عملياً لإمكانية تحويل الأدب إلى أحد روافد الدخل الثقافي للدولة. فصناعة الكتاب ليست عملاً فردياً، بل منظومة تبدأ من الكاتب، تمر بدور النشر، وتصل إلى القارئ. وإذا ما حظيت هذه المنظومة بالدعم والتوجيه والحوكمة، فإنها قادرة على أن تكون صناعة معرفية تسهم في الناتج الثقافي والاقتصادي معاً.

غير أن هذا التصور لا يكتمل دون الالتفات إلى نقطة جوهرية: التسويق للقراءة يبدأ من الطفولة. حين يُربّى الطفل في سنوات الحضانة والروضة على حب الكتاب، فإننا لا نصنع قارئاً فحسب، بل نؤسس لوعي ثقافي طويل الأمد، ينعكس مستقبلاً على ازدهار صناعة الأدب والنشر. الاستثمار الحقيقي في الأدب يبدأ مبكراً، من بناء علاقة حميمة بين الإنسان والكتاب.

كما أن دعم الكُتّاب الذين يحافظون على جوهر الأدب وقيمته الفكرية والإنسانية يمثل ضرورة ملحة، حتى لا يتحول الأدب إلى محتوى استهلاكي سريع يخضع لمقاييس السوق فقط. فالأدب الحقيقي يحمل رسالة، ويصوغ وعياً، ويستحق بيئة تحتضنه وتُقدره.

وفي ظل التحولات التقنية المتسارعة، يصبح للتقنية دور محوري في توسيع دائرة الأدب. توفر الكتب بصيغ إلكترونية، والمنصات الرقمية، وسهولة الوصول للمحتوى، كلها أدوات تعزز انتشار الأدب وتفتح آفاقاً جديدة لصناعة النشر، دون أن تمس جوهر النص.

النقاش لم يخلُ من الإشارة إلى بعض التحديات المؤثرة في المشهد الأدبي. من أبرزها تسطيح الأدب والثقافة عبر بعض «مشاهير التواصل الاجتماعي»، حيث يتحول الاسم إلى وسيلة تسويق، بغض النظر عن جودة المحتوى، مما يدفع بعض دور النشر لتغليب البعد المالي على القيمة الأدبية.

كما طُرحت قضية المحسوبيات في بعض المسارات الثقافية، حين تُمنح الفرص والمنصات بناء على العلاقات لا على جودة الطرح والإنتاج، وهو ما يخلق اختلالاً في ميزان العدالة الثقافية.

ولا يقل أثراً عن ذلك إقصاء بعض الكُتّاب الجدد من قبل بعض المخضرمين، بدافع الخوف من المنافسة أو فقدان المكانة، مما يحرم الساحة الأدبية من أصوات جديدة تحمل رؤى وتجارب، قد تثري تجديد الدم الثقافي.

وسط هذا الطرح العميق، يبرز الدور الملحوظ للمدير التنفيذي لديوانية القلم الذهبي ياسر مدخلي، في إدارة هذا الحراك بروحٍ محبة للأدب، وحريصة على جودة الطرح، وخلق بيئة حوار راقية تُعيد للكلمة هيبتها. هذا الجهد في تنظيم اللقاءات، وانتقاء الموضوعات، واستقطاب المهتمين، يعكس إيماناً حقيقياً بقيمة الأدب ودوره في المجتمع.

ويأتي هذا النشاط ضمن مشهد ثقافي أوسع تدعمه جهات حكومية، من أهمها الهيئة العامة للترفيه التي تسهم في تمكين المبادرات الثقافية وتعزيز حضور الأدب ضمن منظومة جودة الحياة، لأهمية هذه المبادرة النوعية، وإيمانها بأن الترفيه لا ينفصل عن الثقافة، وأن الأدب جزء أصيل من جودة الحياة والوعي المجتمعي.

يبقى السؤال الأهم: كيف نوازن بين أن يكون الأدب مورداً اقتصادياً، وأن يبقى قيمة ثقافية أصيلة؟

الإجابة تكمن في وعي المؤسسات الثقافية، ودور النشر، والمجتمع، بأن الأدب ليس سلعة عابرة، بل استثمارا طويل الأمد في الإنسان والفكر والهوية.

«اقتصاد الأدب» ليس مفهوما ماديا بقدر ما هو رؤية تُعيد الاعتبار للكلمة، وتمنحها مكانتها التي تستحقها في معادلة الثقافة والاقتصاد معاً.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط