العلم يعجز عن معرفة السبب.. الرياضة تصغر عمر الدماغ
كشفت دراسة حديثة أن الالتزام بالتمارين الرياضية المعتدلة لمدة عام واحد فقط قد يجعل الدماغ يبدو أصغر عمرًا بنحو سبعة أشهر، وفق تحليلات تصوير بالرنين المغناطيسي استخدمت خوارزميات تعلم آلي متقدمة. النتيجة لافتة لأنها تحققت دون تغييرات كبيرة في الوزن أو ضغط الدم أو مؤشرات الدماغ الشائعة، ما يجعل التأثير حقيقيًا من حيث القياس، وغامضًا من حيث التفسير.
تمرين بسيط وتأثير غير متوقع
اعتمدت الدراسة على برنامج تمرين لا يوصف بالصارم أو الاستثنائي، إذ التزم المشاركون بممارسة 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط الهوائي المعتدل، وهو المعدل الذي توصي به الإرشادات الطبية العامة. بعد 12 شهرًا، أظهرت أدمغة المشاركين في مجموعة التمارين تغيرات هيكلية جعلتها تبدو أصغر عمرًا مقارنة ببداية الدراسة، بينما واصل أفراد المجموعة الضابطة مسار الشيخوخة الطبيعي للدماغ.
ما الذي يعنيه عمر الدماغ
لا يُقاس عمر الدماغ بعدد السنوات الفعلية، بل من خلال مقارنة بنية الدماغ وخصائصه العصبية بأنماط معيارية لأدمغة في أعمار مختلفة. عندما يخضع الشخص للتصوير، تتنبأ الخوارزمية بعمر دماغه بناءً على الحجم والبنية والسمات الدقيقة. إذا بدا الدماغ أكبر من العمر الزمني، فهذا يشير إلى تسارع في الشيخوخة العصبية، والعكس صحيح. دراسات سابقة ربطت كل عام إضافي في «عمر الدماغ» بزيادة خطر الإصابة بالخرف في المستقبل.
اللياقة تسبق التمرين
حتى قبل بدء البرنامج، لاحظ الباحثون أن الأشخاص الأكثر لياقة من حيث صحة القلب والأوعية الدموية كانوا يملكون أدمغة أصغر عمرًا نسبيًا. كل تحسن ذي دلالة في اللياقة ارتبط بدماغ يبدو أصغر بنحو عامين. هذا الاكتشاف عزز الفرضية القائلة إن التمرين هو العامل الحاسم، لكن المفاجأة جاءت لاحقًا.
مسارات خفية محتملة
يرجّح العلماء أن التمرين قد يعمل عبر مسارات أكثر دقة لم تُقس في هذه الدراسة، مثل تقليل الالتهاب المزمن بدرجات طفيفة، أو تحسين تدفق الدم الدماغي بطرق لا تنعكس مباشرة على ضغط الدم، أو تعزيز كفاءة الميتوكوندريا داخل الخلايا العصبية. كما قد تكون هناك تغييرات أيضية أو جزيئية لم تُلتقط بالأدوات الحالية. هذا الغموض لا يُعد ضعفًا في الدراسة بقدر ما يسلّط الضوء على تعقيد العلاقة بين الحركة والدماغ.
منتصف العمر نافذة حاسمة
ركزت الدراسة على بالغين تتراوح أعمارهم بين 26 و58 عامًا، بمتوسط عمر يقارب 41 عامًا، معظمهم لم يكونوا نشطين بدنيًا قبل المشاركة. اختيار هذه الفئة لم يكن عشوائيًا؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن عوامل الخطر التي تظهر في الأربعينيات والخمسينيات، مثل الخمول والسمنة، قد تحدد احتمالات الخرف بعد عقود. في هذه المرحلة يكون الدماغ لا يزال مرنًا بما يكفي للاستجابة، ما يجعل التدخل المبكر أكثر فاعلية.
برنامج قابل للتطبيق
لم يتطلب البرنامج معدات خاصة أو عضوية نوادٍ رياضية. مارس المشاركون المشي أو الجري أو استخدام أجهزة القلب المتاحة لديهم، مع الحفاظ على شدة معتدلة تتيح لهم التحدث أثناء التمرين. اللافت أن الالتزام كان مرتفعًا، إذ أنجز المشاركون نحو 93% من الدقائق المقررة، ما يعزز واقعية تطبيق النتائج في الحياة اليومية.
الآلية البيولوجية للتأثير ما زالت غير معروفة لغز بلا تفسير مباشر
بعد عام من التمارين، تحسنت اللياقة البدنية للمشاركين بالفعل، وانخفض عمر الدماغ في القياسات، لكن التحليل الإحصائي أظهر أن تحسن اللياقة لا يفسر وحده هذا التغير. الوزن بقي مستقرًا، ضغط الدم لم يتغير، ولم تُظهر بروتينات مرتبطة بصحة الدماغ مثل BDNF زيادات واضحة. بعبارة أخرى، كل المؤشرات المعتادة لم تقدّم جوابًا شافيًا، ما دفع الباحثين للاعتراف بأن الآلية المسؤولة عن هذا «التجديد» ما زالت غير معروفة.