بقلم أصيل الجعيد: ديوانية تصنع الوعي
ديوانية القلم الذهبي جاءت كفكرة ثقافية واعية في زمن كثرت فيه المنصات وتراجع فيه العمق. لم تُنشأ لتكون مجلسًا عابرًا أو مناسبة اجتماعية موسمية، وإنما لتعيد للكلمة مكانتها بوصفها أداة تفكير وبناء، ولتخلق فضاءً يجتمع فيه المثقفون للنقاش الحر حول قضايا الأدب واللغة والفكر والهوية.
منذ بدايتها، اتجهت الديوانية إلى جمع أطياف مختلفة من الكتّاب والشعراء والمهتمين بالشأن الثقافي، دون حواجز شكلية أو تصنيفات ضيقة. الهدف كان واضحًا: خلق مساحة حوار يتبادل فيها الحضور الرأي والخبرة، ويطرحون الأسئلة التي لا تجد لها مكانًا في اللقاءات الرسمية أو الندوات التقليدية. في هذا الجو، يصبح النقاش قيمة بحد ذاته، وتتحول الجلسة إلى ورشة فكرية مفتوحة.
ما يميز الديوانية هو إيمانها بأن الثقافة لا تُختزل في النخبة، وأن اللغة العربية لا تُحفظ بالتقديس فقط، وإنما بالممارسة اليومية. لذلك اتسع نشاطها ليشمل مبادرات تهتم بالأجيال الصغيرة، عبر خلوات للكتابة والتدريب اللغوي، حيث يتعلم الأطفال التعبير السليم، ويتذوقون الشعر، ويتحدثون بالفصحى في سياق طبيعي. هذه الخطوة تكشف رؤية بعيدة المدى ترى في الطفل مشروع مثقف مستقبلي، لا مجرد متلقٍ.
الديوانية كذلك ليست معنية بموضوع واحد أو اتجاه فكري محدد. النقاشات التي تدور فيها تمتد من قضايا الأدب والشعر إلى أسئلة الهوية، ومن اللغة العربية ومستقبلها إلى علاقة الثقافة بالمجتمع والتحولات المعاصرة. هذا التنوع منحها حيوية خاصة، وجعلها نقطة التقاء لمن يبحث عن حوار جاد بعيد عن الضجيج.
في عمق التجربة، يظهر أن ديوانية القلم الذهبي ليست مكانًا فقط، وإنما فكرة. فكرة تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن النقاش الهادئ يصنع وعيًا، وأن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ من الإنسان قبل المنصة. لهذا السبب أصبحت الديوانية تجمعًا حيًا للمثقفين، ومساحة تُعيد الثقة بالحوار، وتؤكد أن اللغة العربية ما زالت قادرة على أن تكون لغة فكر وحياة في آن واحد.