«البطولات العربية والذاكرة التاريخية».. كتاب يروي بطولات المرأة

«البطولات العربية والذاكرة التاريخية».. كتاب يروي بطولات المرأة.. أنجزت الباحثة في الأدب الشعبي، نبيلة إبراهيم، أعمالاً رائدة وكتابات مرجعية وترجمات لكتب تعد من كلاسيكيات الدراسات الشعبية في العالم، ومنها بحثها حول سيرة الأميرة ذات الهمة ومدى تأثيرها في الملاحم والأغنيات البيزنطية، وبحثها "الماضي المشترك بين العرب والغرب: أصول الآداب الشعبية الغربية".
«البطولات العربية والذاكرة التاريخية».. كتاب يروي بطولات المرأة.. صدرت الطبعة الأولى من كتاب "البطولات العربية والذاكرة التاريخية" عام 1995 عن دار نشر "المكتبة الأكاديمية" في القاهرة، وصدرت أحدث طبعاته أخيراً ضمن سلسلة "الثقافة الشعبية"، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب. يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول: "السيرة النبوية والوعي العربي بالتاريخ"، "الذاكرة التاريخية وبطولة علي بن أبي طالب"، "البطل القومي والوعي بحركة التاريخ"، البطل القومي وقصة المصير"، و"المرأة البطل... نماذج في السير الشعبية". ويعد الفصل الأخير من أمتع فصول الكتاب، فضلاً عن أن موضوعه هو من الموضوعات التي يقل التطرق إليه من جانب الباحثين في الأدب الشعبي العربي، فهم عادة مهتمون ببطولة الرجل أكثر من اهتمامهم ببطولة المرأة.
المرأة البطلة
«البطولات العربية والذاكرة التاريخية».. كتاب يروي بطولات المرأة.. في المقابل ترى نبيلة إبراهيم، التي عُرفت بإجادتها الترجمة من الإنجليزية والألمانية إلى العربية، أن من أكثر الظواهر لفتاً للنظر في السير الشعبية العربية، الدور الذي تقوم به المرأة فيها. فمن ناحية الكم تزدحم تلك السير بنماذج من البطولات النسائية يفوق الحصر. ومن ناحية الكيف، فإن هذه النماذج تتأرجح بطولاتها بين أدنى درجات البطولة حتى أعلاها، عندما تتساوى مع النموذج البطولي للرجال.
ومن هذه النماذج "الجازية" في السيرة الهلالية، وترجع بطولتها إلى قوة شخصيتها، فهي صاحبة الكلمة الصائبة عندما يختلف القوم، وهي قادرة على أن تستحث الهمم كلما أصابها الوهن، كما تقول نبيلة إبراهيم. وهناك "القناصة ابنة مزاحم" في سيرة الأميرة ذات الهمة، وهي نموذج للمرأة البطل خارج ميدان القتال، حيث تدور رحى الحرب بين العرب والروم، وهي الموضوع الرئيسي لتلك السيرة.
وهناك كذلك "الملكة زنانير" في السيرة نفسها، وهي نموذج في فن إتقان القتال من أجل المصلحة التي تحددها الجماعة. لكن تيقى الأميرة ذات الهمة نفسها هي النموذج الأمثل لبطولة المرأة في السير الشعبية العربية.
الوعي الشعبي
«البطولات العربية والذاكرة التاريخية».. كتاب يروي بطولات المرأة.. ولاحظت نبيلة إبراهيم، التي عملت لسنوات عديدة أستاذة للأدب الشعبي في كلية الآداب في جامعة القاهرة، في مقدمة الكتاب أنه منذ أن كُتبِت السيرة النبوية لم يكف الوعي العربي عن أن ينتقي من قلب التاريخ نماذج من البطولات العربية، مثل بطولة علي بن أبي طالب وعنترة، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس. وكان من الممكن أن يحدث لدى الشعب العربي نوع من الاكتفاء الذاتي بالبطولة المثالية؛ بطولة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يلتفت إلى غيرها، "ولكن الوعي بأهمية استمرار هذه البطولة كان قوياً ومن هنا كانت الاستجابة لدوافع اللاشعور الجمعي بتخليد بطولات عربية أخرى تحتذي البطولة المثالية من ناحية، وتأخذ على عاتقها الإبقاء على شعلة الدين الإسلامي متوهجة من ناحية أخرى، بخاصة في الظروف التاريخية التي يكون فيها الإسلام مهدداً والدولة الإسلامية مهددة" ص 16، 17.
ويتمثل الغرض من الكتاب، كما تؤكد مؤلفته، الحاصلة على الدكتوراه من من جامعة غوتنغن في ألمانيا عام 1961 عن أطروحتها: "سيرة الأميرة ذات الهمة ــ دراسة مقارنة"، هو إبراز مدى الوعي العربي بالبطولات العربية عبر الزمن من خلال نماذج مثل سيف بن يزن، وعنترة بن شداد، مروراً ببطولة الرسول عليه الصلاة والسلام بوصفه النموذج الأعلى للبطولة الإسلامية، ومن بعده علي بن أبي طالب، والظاهر بيبرس.
نحو التسامي
وفي هذا الصدد ترى إبراهيم التي شغلت أيضاً منصب عميد المعهد العالي للفنون الشعبية في أكاديمية الفنون المصرية، أن البطل في كل الآداب الشعبية يصور وكأنه بذرة نبتت في أرض مهملة. وهذه البذرة تظل تنمو مواجهةً كل عواصف الحياة إلى أن تنطلق متحررة من كل قيد قد يعوق حركتها نحو التسامي. وهكذا أدرك الحس الشعبي مبكراً ما أدركه الفلاسفة لاحقاً؛ وهو أن معنى الحياة لا يقع في إطار المرئي والمسموع، بل فيما وراءهما، أي في الوجود البعيد الغائب عن حس الإنسان. الحكايات الخرافية. وتضيف أنه عندما ازداد الإنسان انشغالاً بعالمه الواقعي وبكل ما فيه من مفارقات ومتناقضات، صنع نموذجاً لبطل يعيش واقعه في عمق؛ على أن هذا البطل لا يكتفي برصد الواقع الذي يعاني فيه الناس من الصراعات، بل ينطلق من المحدود إلى اللامحدود؛ "لعله يستكشف للشعب حكمة أو معنى ما يبصره بحقائق الأشياء ويعينه على تحمل أعباء الحياة".
وتعد البطولات الشعبية التي احتفل بها الشعب العربي بعد الإسلام، وفق تصور إبراهيم، تعبيراً عن حس عربي جمعي منبثق من المفهوم العام للبطولة الشعبية من ناحية، ومن الوعي الخاص بالتاريخ بالمفهوم الإسلامي من ناحية أخرى. فبعد أن استقرت العقيدة الإسلامية في ضمير الشعب العربي وفي فكره وسلوكه، أصبح الحس الجمعي منشغلاً شعورياً ولا شعورياً بحركة الحياة وغائيتها، بعد أن غيَّر الإسلام الكثير من المفاهيم التي ترتبط بمعنى الحياة والوجود، والحق والباطل وعلاقة الإنسان بالزمن المحدود واللامحدود؛ فالحياة مغزى وغاية؛ لأنها ترتبط بفعل الإنسان الذي لا ينبغي أن يوجَّه نحو الشر أو يكون محدوداً بمصلحة فردية، بل يكون جزاء الإنسان في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الحق والباطل
وترتَّب على هذا – كما تؤكد الباحثة الراحلة - تغير حس الإنسان بالتاريخ، فالماضي ليس وجوداً منتهياً، وليس المستقبل مجهولاً أو عدماً، بل هو أمل يمتد حتى بعد الموت عندما يبعث الإنسان ليجازى على أعماله. ومن ثم فإن الإنسان ليس سوى مظهر واحد للمظاهر المتعددة لفيض الوجود الإلهي. وإذا كان الوجود الإلهي حركة وقوة وعدلاً ورحمة، فعلى الإنسان أن يتحرك حركة المؤمن بهذه المفاهيم. أما الحق والباطل، فلم يعودا مختلطين، بل أصبح الحد فاصلاً بينهما مثلما أصبح الحد بين الحلال والحرام حاسماً "الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن".
لقد استوعب الإنسان العربي هذه المفاهيم الجديدة، وأصبحت أساس حركته في الحياة. وعندما صنع أبطاله لكي يعبروا عن آلامه وآماله، جعل نسيجهم منطوياً على كل هذه المفاهيم الجديدة. وأولى الصفات التي تؤهل البطل لأن يكون ممثلاً للجماعة، بحسب دراسة نبيلة إبراهيم، أن يحرص على تأكيد ذاته بتحريرها أولاً من كل ما يكبلها من قيود اجتماعية بالية. ينبغي أن يتصف كذلك بالشجاعة. وعلى الرغم مما يبدو من تماثل بين البطولات العربية التي اكتملت صورها في عصور متأخرة من حيث إنها جميعاً تشترك في البطولات الخارقة، وأن رسالتها تتحدد بمحاربة كل ما يتهدد كيان الأمة الإسلامية والرسالة الإسلامية السامية، فإن كل بطل – تقول نبيلة إبراهيم - يتميز عن غيره بملامحه وأفعاله في الحقبة التاريخية التي عاش فيها.
فضل التدوين
ولولا كتب دوَّنها مجهولون، لاختفت، كما تؤكد إبراهيم، هذه النماذج البطولية من الذاكرة التاريخية للشعب العربي، ولم يتمكن الأفراد المبدعون من إعادة إنتاجها في أعمال أدبية. الفصل الأول من الكتاب يتناول السيرة النبوية الشريفة، "حيث إن إنجازات الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل دعم قوى الخير، وقهر القوى الشريرة حددت النموذج الأعلى الذي حاولت البطولات القومية بعد ذلك الاحتذاء به". وفي حقبة تاريخية أخرى شُغِل العقل العربي الجمعي ببطولة علي بن أبي طالب، خصوصاً في معركة تبوك. وكان هذا موضوع الفصل الثاني.
أما الفصل الثالث فيبحث في مفهوم البطولة القومية واستمرار تصويرها في أكثر من نموذج بطولي خلال حقب متتالية من التاريخ. وخصصت المؤلفة الفصل الرابع لبطولة الملك سيف بن ذي يزن؛ نظراً لخصوصية هذه البطولة في حمل رسالة تاريخية خاصة، تختلف عن سائر الرسالات التي يحملها الأبطال الآخرون، فإذا كانت البطولات القومية الأخرى، مثل بطولة عنترة والظاهر بيبرس والأميرة ذات الهمة، قد حملت على عاتقها التصدي للعدو الخارجي المتربص بالإسلام والدولة الإسلامية، فإن الملك سيف بن ذي يزن حمل رسالة أخرى، تعد صدى لأحداث تاريخية وقعت في القرن الـ 14 الميلادي، عندما أعلن الملك "سيف أرعد" ملك الحبشة أنه سيحرم مصر من مياه النيل. وكان على الملك سيف بن ذي يزن أن يحضر "كتاب النيل" من مكمنه السحري حتى يبطل بقوة سحره، كل المزاعم الباطلة لملك الحبشة.