بقلم د مريم بدران : ضريبة الجمال حين يتحول الإعجاب إلى افتراس
هناك نساء لا يدفعن ثمن أخطائهن، بل يدفعن ثمن شيء لم يخترنه أصلا: أن يكن جميلات في عالم لم يتعلم كيف يرى الجمال دون أن يمد يده إليه.
تلك هي "ضريبة الجمال".
ضريبة لا تفرض في قانون، ولا تحصلها مؤسسة، ولا يظهر اسمها في كشف حساب. لكنها تدفع كل يوم: في الطريق، في الجامعة، في مكان العمل، في قاعة الدرس، في المكتب، وفي كل فضاء يفترض أن تكون فيه المرأة انسانا كاملا، لا جسدا معروضا أمام أعين جائعة.
المأساة ليست في أن الرجل يرى امرأة جميلة ، المأساة تبدأ حين يتوقف عن رؤيتها كإنسانة لأنها جميلة.
هنا يحدث الانهيار الأخلاقي.
فبدل أن يرى عقلا، يرى صدرا. وبدل أن يسمع فكرة، يتخيل جسدا. وبدل أن يناقش شخصية، يفتش بعينيه عن تفاصيل جسدية. وبدل أن يتعامل مع زميلة أو طالبة أو موظفة، يتعامل مع فرصة.
وهنا لا يعود الجسد جسدها. يصبح، في خيال المريض، حقا له.
الجمال الذي يتحول إلى تهمة.
كم هو غريب هذا العالم ، غريب بـجـهـد
اذا كانت المرأة جميلة، قيل أنها محظوظة. لكنهم لا يخبرونها أن هذا "الحظ" قد يتحول إلى محكمة متنقلة ، عليها أن تنتبه إلى ملابسها. إلى مشيتها. إلى ضحكتها. إلى نظرتها. إلى صوتها. إلى جلوسها. إلى وجودها أصلا.
كان المطلوب منها أن تعتذر عن جسدها كي لا يسيء الآخرون التصرف وهذه واحدة من أكثر الحيل الأخلاقية قذارة: أن ينقل ذنب المعتدي الى الضحية.
هو الذي تحرش، لكنها "كانت جميلة".
هو الذي تجاوز حدوده، لكنها "تلفت النظر".
هو الذي حول العلاقة المهنية إلى رغبة جنسية، لكنها "أعطته إشارات".
هو الذي خان أخلاق المهنة، لكنها "تلبس بطريقة مثيرة".
ما هذا المنطق المقلوب؟ منطق يجعل المرأة مسؤولة عن شهوات الرجل، كما لو أن الرجل طفل فاقد الإرادة، لا يستطيع أن يرى جسدا دون أن يتحول إلى حيوان.
والحقيقة أكثر اهانة من ذلك: الرجل الذي يبرر تحرشه بجمال المرأة لا يدافع عن رجولته بل يعلن عجزه عن السيطرة على نفسه.
في الجامعة: حين يدخل الجسد إلى قاعة الدرس قبل العقل
هناك أماكن يفترض أن تكون محرمة على الغريزة , الجامعة واحدة منها.
قاعة الدرس يفترض أن تكون مكانا يلتقي فيه العقل بالعقل. الأستاذ بالطالب. المعرفة بالسؤال. الفكرة بالنقد.
لكن ماذا يحدث حين يدخل شخص إلى القاعة بعقل لا يرى في المرأة الا جسدا؟ يتحول العلم إلى مسرح آخر للرغبة.
تصبح الطالبة الجميلة مراقبة لا لذكائها، وإنما لجسدها.
نظرة الأستاذ لا تعود نظرة اكاديمية.
كلام الزميل لا يعود كلام زميل.
المجاملة قد تصبح فخا.
الاهتمام قد يصبح ابتزازا.
والسلطة الأكاديمية، حين تقع في يد عقل مريض، يمكن أن تتحول من وسيلة لصناعة المعرفة إلى وسيلة لصناعة الضغط.
وهنا تظهر بشاعة المسألة: حين يكون المتحرش صاحب سلطة، فان المرأة لا تواجه شهوة رجل فقط انها تواجه مؤسسة تقف خلفه.
الأستاذ يستطيع أن يقيم.
الوكيل يستطيع أن يقرر.
المدير يستطيع أن يرقي أو يعاقب.
صاحب المنصب يستطيع أن يجعل الرفض مكلفا.
عندها تصبح "لا" اكثر من كلمة ، تصبح مخاطرة.
حتى يدفع ذلك طالبا إلى التخلي عن دراسته ومستقبله.
وهذا هو الوجه الأكثر ظلمة للتحرش: انه ليس دائما رغبة جنسية فحسب أحيانا يكون استعمالا جنسيا للسلطة.
الوحش الحقيقي ليس في الجسد
لنضع الأمور في مكانها الصحيح.
الجسد ليس استفزازا.
الوجه ليس دعوة.
الابتسامة ليست موافقة.
الملابس ليست اذنا.
والجمال ليس عقدا يمنح الغرباء حق الاقتراب.
المشكلة ليست في المرأة التي تمتلك جسدا جميلا المشكلة في العقل المكبوت الذي يرى جسدا جميلا فينسى وجود الإنسان خلفه.
وهنا نصل إلى مرض حضاري كامل:
عندما يصبح الإنسان غير قادر على رؤية الانسان. فبعض العقول لا تدخل العالم إلا من بوابة الجنس.
ترى المرأة فتسأل: هل هي جذابة؟
لا تسأل: ماذا تفكر؟
تراها فتفحص صدرها ومؤخرتها.
لا تنتبه إلى عينيها حين تتحدث.
تتذكر شكل جسدها.
ولا تتذكر اسمها.
وهنا لا يكفي أن نسميه شهوة حين يصبح الجنس انشغالا قهريا، مع عجز متكرر عن ضبط الاندفاع واستمرار السلوك رغم عواقبه، فقد يدخل سريريا في اضطراب السلوك الجنسي القهري. اما اختزال المرأة الى جسد وتبرير الاعتداء بـ"الغريزة"، فليس مرضا ولا رجولة بل انحراف سلوكي ومسؤولية كاملة عن فعل مؤذ ولا ينبغي السكوت عنه.
في تاريخ طويل: حين كان الجسد أول ضحايا الجهل ولم تبدأ الحكاية اليوم.
قبل أن نصل إلى المكاتب والجامعات والشوارع، كانت المرأة قد عرفت أشكالًا أكثر قسوة من الامتهان. عرفت أسواق النخاسة، وعرفت مجتمعات تعاملت معها بوصفها متاعًا، وعرفت عصورًا وصلت فيها بعض صور العنف إلى وأد البنات. ثم تعاقبت قرون وحروب وأنظمة، لم تسلم فيها المرأة من العنف والاستغلال والإقصاء. وفي الحروب، لم تكن تستغل في العمل والخدمة فحسب، بل كانت تتعرض أيضًا للعنف الجنسي والاغتصاب.
ثم تغيرت القوانين، وتغيرت المدن، وتغيرت اللغة.
لكن بعض العقول لم تتغير بالسرعة نفسها. لطالما عانت المرأة بسبب ذكور رأوا فيها ملكية أو عارا أو غنيمة. لطالما غار منها بعضهم، وحاربها بعضهم، وخاف من استقلالها بعضهم، حتى اضطر المجتمع في مراحل كثيرة إلى صناعة القوانين لحمايتها من إنسان كان يفترض أن يكون حاميا لكرامتها والمفارقة الأكثر مرارة أن كثيرا من هؤلاء الذكور لم يتذكروا أنهم انفسهم خرجوا إلى الحياة من امرأة.
كيف يمكن لمن لم يعرف الحياة إلا عبر امرأة أن يقضي عمره في إهانة النساء؟ هذه ليست مفارقة بيولوجية فقط. إنها فضيحة نفسية وأخلاقية.
هناك فرق بين الرغبة والإفتراس
ليس المطلوب أن ننكر الغريزة.
الجنس جزء من الإنسان، والرغبة ليست جريمة لكن الحضارة تبدأ تحديدا عندما نتعلم أن ليست كل رغبة حقا في الاشباع.
قد ترغب ولا تملك قد تنجذب ولا تقترب قد ترى الجمال وتصمت قد تشعر بالرغبة وتحفظ كرامة من أثارها فيك ، تلك هي المسافة بين الإنسان والحيوان وبين الأخلاق والشهوة المنفلتة : القدرة على أن تشعر بشيء دون أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن شعورك. أما أن تقول أنا رجل وهي جميلة فلا أستطيع السيطرة على نفسي فهذه ليست حجة بل تبرير للانفلات وتحويل ضعف الإرادة إلى مبرر والأشد إثارة للاشمئزاز أن بعض المتحرشين ليسوا أشخاصا هامشيين بل قد يكون بينهم أستاذ أو مدير أو مسؤول يحمل لقبا كبيرا أو مكتبا فاخرا أو سلطة يخشاها الآخرون
وهنا تظهر المفارقة قد يبني الرجل سنوات من صورته الإجتماعية ويتحدث عن الأخلاق والإحترام والقيم والتربية ثم تكفي امرأة جميلة ليتحول كل ذلك إلى شعارات ويسقط القناع ، فالمنصب لا يصنع الأخلاق انه فقط يمنح الأخلاق، حين تكون موجودة، مساحة أكبر لتظهر ويمنح الإنحراف، حين يكون موجودًا، قدرة أكبر على الإيذاء.
لذلك ليس أخطر المتحرشين دائما من يصرخ في الشارع. أحيانا أخطرهم من يتحدث بهدوء داخل مكتب مغلق، وهو يعرف أن الضحية تخشى أن تخسر مستقبلها اذا تكلمت.
لماذا تدفع المرأة ثمن مرض لم ترتكبه؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يخجل منه المجتمع.
لماذا تطلب من المرأة الحيطة أكثر مما يطلب من الرجل الأخلاق؟
لماذا يقال لها: انتبهي؟ لماذا لا نقول له: اضبط نفسك؟
لماذا نراقب سروالها أكثر مما نراقب يده حين تمتد دون إذن؟
لماذا نحلل ابتسامتها بدل أن نحاسب سلوكه؟
هذه الأسئلة تكشف شيئا مرعبا: في كثير من المجتمعات، لا يزال التعامل مع المرأة يقوم على فكرة أنها مسؤولة عن منع الرجل من ارتكاب الخطيئة وهذا ظلم مضاعف.
لأنها تصبح مطالبة بحماية نفسها من الجريمة، وفي الوقت نفسه مطالبة بحماية الجاني من نفسه.
الجمال ليس دعوة إلى الإقتراب
ربما آن الأوان لكي نقتل هذه الفكرة القديمة:أن المرأة الجميلة "تستفز".
لا ، هي لا تستفزك.
أنت الذي تختار ماذا تفعل بما تراه.
العين ترى، والعقل يفسر، والإرادة تقرر.
بين النظرة والفعل مساحة كاملة اسمها الأخلاق ومن يردم هذه المسافة متذرعا بالغريزة، إنما يعلن افلاسه الأخلاقي.
ليس الجمال هو المشكلة.
المشكلة هي الإنسان الذي لا يستطيع أن يرى شيئا جميلا دون أن يعتقد أنه مدعو الى امتلاكه.
وهذا هو جوهر المرض: تحويل الرؤية إلى ملكية.ضريبة الجمال ليست أن يراها الآخرون جميلة بل أن يظن بعضهم أن جمالها يمنحه حقا فيها
أن تدخل الجامعة وهي تفكر في دراستها، فتضطر إلى التفكير في من يراقب جسدها.
أن تدخل العمل وهي تفكر في نجاحها، فتضطر إلى التفكير في المدير الذي يخلط بين صلاحياته ورغباته.
أن تسير في الشارع وهي تريد ..الوصول الى مكان ما، فتتحول إلى مادة للتعليق والتقييم.
حتى النساء قد يغرن منها ويحاربنها فبعض النفوس لا تحتمل امرأة يسبق جمالها حضورها، فيتحول النقص الداخلي إلى حقد، والغيرة إلى تشويه، والمقارنة إلى حرب قذرة. لا يكتفين بأن يكرهن ما تملكه، بل يحاولن معاقبتها عليه، وكأن عليها أن تدفع ثمن نعمة لم تطلبها.
عندها لا يعود المجتمع يطلب منها أن تعيش. يطلب منها أن تكون حارسة لجسدها، لأن بعض الرجال لم يتعلموا أن الجسد ليس ملكا عاما.
واخيرا... الجمال ليس دعوة والرغبة ليست رخصة و"لا" ليست قابلة للتفاوض. المتحرش يحتاج قانونا رادعا وسجنا يوقف الأذى ويردع تكراره، ومن يشعر انه عاجز عن ضبط سلوكه فليطلب علاجا نفسيا قبل أن يؤذي غيره. فالمرأة لا تحتاج أن تختفي، ومن يحتاج الى التغيير هو من ظن أن رغبته تمنحه حقا في جسد غيره.