51 ألف حريق في مصر.. التأمين ينتقل من دفع التعويضات بهندسة المخاطر
لم تعد مواجهة الحرائق في مصر قضية مرتبطة بقدرة شركات التأمين على تعويض الخسائر بعد وقوعها، وإنما أصبحت الوقاية والتنبؤ بالمخاطر وتقليل حجم الأضرار قبل تفاقمها محورا رئيسيا في تطوير منظومة التأمين وحماية الاستثمارات.
وتبرز أهمية هذا التحول في ظل تسجيل نحو 51 ألف حادث حريق خلال عام 2025، بمتوسط يصل إلى 140 حادثا يوميا، بزيادة 8.7% مقارنة بالعام السابق، إلى جانب تسجيل 533 حريقا داخل المصانع بارتفاع 15%.
الأرقام التي جرى استعراضها خلال مؤتمر اتحاد شركات التأمين المصرية، الذي عقد يومي 8 و9 سبتمبر 2026 تحت رعاية الهيئة العامة للرقابة المالية، تعكس حجم التحدي الذي يواجه مختلف القطاعات الاقتصادية، وتؤكد أن إدارة مخاطر الحريق لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية ولا تنتهي عند تسوية المطالبة.
وجاء المؤتمر تحت عنوان "أهمية الوقاية من مخاطر الحرائق في حماية الأرواح والممتلكات واستدامة الأعمال"، بمشاركة أكثر من 250 من قيادات وخبراء التأمين والصناعة وإدارة المخاطر والجهات المعنية.
الأسباب البشرية والكهرباء في صدارة المخاطر
كشفت البيانات المعروضة خلال المؤتمر أن النيران الصناعية وأعقاب السجائر والمواد المشتعلة والشماريخ مثلت 31% من أسباب الحرائق، بينما سجلت الحرائق العارضة 22%، والماس والشرر الكهربائي 18%، والإهمال 10%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن نسبة مهمة من مخاطر الحرائق ترتبط بعوامل يمكن الحد منها عبر إجراءات وقائية أكثر صرامة، تشمل الصيانة الدورية والتفتيش والتدريب والالتزام باشتراطات السلامة.
وفي المقابل، أظهرت البيانات أن 40% فقط من المصانع تلتزم باشتراطات الأمن الصناعي، وهو ما يضع رفع مستويات الالتزام والسلامة على رأس أولويات المرحلة المقبلة.
18% من أقساط التأمين للحريق
وأكد الدكتور طارق سيف، نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن تطوير سوق التأمين المصري يتطلب تغييرا في طريقة التعامل مع المخاطر، بحيث لا يقتصر دور القطاع على تقليل الخسائر بعد وقوع الحوادث، وإنما يمتد إلى هندسة المخاطر والوقاية والسيطرة عليها والتنبؤ بها.
وأشار إلى أن تأمين الحريق يمثل نحو 18% من إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق وفقا لإحصائيات عام 2025، وهو ما يعكس الوزن النسبي لهذا النوع من التأمين وأهمية تطوير أدوات تقييم مخاطره.
ودعا إلى ابتكار منتجات تأمينية جديدة وتوسيع نطاق التغطية لتشمل الشرائح والمناطق الأقل استفادة من التأمين، مع بحث إمكانية التوسع في التأمين القائم على المؤشرات.
كما طرح توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات والنماذج التنبؤية كأدوات تساعد شركات التأمين على الانتقال من الاعتماد على بيانات الخسائر السابقة إلى تقييم أكثر استشرافا للمخاطر.
الحريق لا يتحول إلى كارثة في لحظة واحدة
وأكد خبراء إدارة المخاطر أن الحريق في حد ذاته قد يبدأ كحادث محدود، لكن الخسائر تتضاعف عندما تفشل منظومة الحماية في اكتشافه والسيطرة عليه في الوقت المناسب.
وحدد المؤتمر أربع حلقات أساسية للحماية تبدأ بالعنصر البشري وثقافة السلامة، ثم أنظمة الحماية النشطة مثل أجهزة الكشف والإنذار والرشاشات ومصادر المياه، والحماية السلبية المرتبطة بتصميم المنشأة ومواد البناء والفصل بين المناطق، وصولا إلى خطط استمرارية الأعمال والتعافي السريع.
وأظهرت الحالات العملية التي عرضها المؤتمر التكلفة الباهظة لتأخر اكتشاف الحريق. ففي إحدى الحالات ارتفعت قيمة المطالبة التأمينية من حريق في ماكينة تبلغ قيمتها 10 ملايين جنيه إلى أكثر من 223.9 مليون جنيه نتيجة انتشار الحريق واتساع نطاق الأضرار.
وفي حالة أخرى داخل مصنع لإنتاج الشاشات الإلكترونية، وصلت المطالبة إلى نحو 294.9 مليون جنيه، بعدما أدى غياب كواشف الدخان إلى تأخر اكتشاف الحريق وانتشاره داخل المنشأة.
72 ساعة تحدد مسار المطالبة
ولا تنتهي إدارة الخطر بمجرد وقوع الحريق، إذ أكد خبراء تسوية الخسائر أن أول 72 ساعة تمثل مرحلة شديدة الحساسية في التعامل مع المطالبة.
وتتطلب هذه المرحلة سرعة التواصل مع المؤمن عليه، وتوثيق الأضرار، وحصر المخزون والأصول، ومراجعة المستندات، إلى جانب الاستعانة بالخبراء المتخصصين لتحديد طبيعة الضرر ومدى إمكانية الإصلاح أو الحاجة إلى الاستبدال.
كما يمثل الحد من الخسائر بعد وقوع الحادث عاملا مهما في تقليل التكلفة النهائية، من خلال إنقاذ الأصول والبضائع السليمة، وتوفير بدائل للآلات المتضررة، وتقليل فترة توقف النشاط.
ربط سعر التأمين بمستوى الخطر
وتتجه الرؤية التي طرحها المؤتمر إلى تعزيز العلاقة بين مستوى إجراءات الحماية وتكلفة التغطية التأمينية، بحيث تصبح المنشآت الأكثر التزاما بالسلامة والحماية مؤهلة للحصول على شروط تأمينية أكثر ملاءمة.
ويعني ذلك انتقال التأمين تدريجيا من نموذج يعتمد بصورة أكبر على تاريخ الخسائر إلى نموذج يضع جودة إدارة الخطر في صدارة عملية الاكتتاب والتسعير.
كما أوصى المشاركون بتطوير قواعد الاكتتاب لتصبح أكثر اعتمادا على البيانات والحوادث الفعلية وسيناريوهات الخسائر، مع تعزيز التكامل بين الاكتتاب والتعويضات وهندسة المخاطر.
مخاطر جديدة تفرض أدوات مختلفة
وتزداد أهمية هذا التوجه مع ظهور مخاطر جديدة داخل المنشآت، في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة وبطاريات الليثيوم والطاقة الشمسية والمخازن عالية الكثافة والأنظمة الإلكترونية.
وتتطلب هذه المخاطر أساليب أكثر تطورا في المعاينة والتقييم والمراقبة، إلى جانب تحديث مستمر لبيانات الخطر وعدم الاكتفاء بالتقييم التقليدي للمنشأة.
كما ناقش المؤتمر تحديث كود الحريق المصري لعام 2026، مع التأكيد على إمكانية التعامل مع المنشآت القائمة من خلال خطط مرحلية لتوفيق الأوضاع، بما يرفع مستويات الحماية بصورة تدريجية.
قاعدة بيانات موحدة لتغيير طريقة المواجهة
ومن أبرز المقترحات المطروحة إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لحوادث الحرائق بالتعاون مع الجهات المعنية، على أن تتضمن أسباب الحوادث وتوقيتها وحجم الخسائر المادية والبشرية والظروف المحيطة بكل حادث.
ومن شأن هذه القاعدة توفير بيانات أكثر دقة تساعد شركات التأمين والجهات المعنية على تحليل أنماط الحرائق وتحديد مصادر الخطر المتكررة ووضع سياسات وقائية أكثر كفاءة.
كما شملت التوصيات إعداد دليل استرشادي للمعايير الهندسية للمنشآت والقطاعات ذات المخاطر المرتفعة، وتعزيز التعاون مع الجامعات المصرية لتأهيل كوادر متخصصة في معاينات وتقييم أخطار الحريق.
الوقاية تتحول إلى جزء من معادلة التأمين
وتكشف مخرجات المؤتمر عن تحول واضح في مفهوم تأمين الحريق، من مجرد أداة لتعويض الخسائر إلى منظومة متكاملة لإدارة المخاطر وتقليل احتمالات وقوعها والحد من آثارها إذا حدثت.
فكل جنيه ينفق على تحسين أنظمة الكشف والإنذار والإطفاء، وتطوير إجراءات السلامة والتدريب والصيانة، يمكن أن يسهم في تجنب خسائر أكبر تهدد استمرارية المنشأة وسلاسل الإمداد والاستثمارات.
وبذلك تتجه صناعة التأمين إلى مرحلة جديدة يصبح فيها نجاحها مرتبطا ليس فقط بسرعة وكفاءة دفع التعويضات، وإنما بقدرتها على اكتشاف الخطر مبكرا، والتدخل قبل تحوله إلى كارثة، ودعم المنشآت في بناء أنظمة أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
