كيف تتحول الأزمات والمشاكل الزوجية إلى محتوى للمتابعة والأرباح ؟
في عصر اقتصاد الانتباه وصناعة المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ظهرت ظاهرة اجتماعية جديدة تُعرف بـ "تسليع الأزمات" حيث يعمد بعض صناع المحتوى والمستخدمين إلى مشاركة تفاصيل أزماتهم الشخصية، وخلافاتهم الزوجية، ومشاكلهم الصحية والنفسية على الملأ. تتحول هذه التعرية الذاتية إلى أداة لجذب المتابعين، وزيادة نسبة المشاهدات، وتحقيق المكاسب المادية الرغيدة. هذا التحول يعيد تشكيل القيم الاجتماعية المتعلقة بالخصوصية، ويؤثر على النمط السلوكي للمجتمعات الحديثة.
تشجع الخوارزميات الرقمية على نشر المحتوى الأكثر إثارة للجدل والعاطفة، مما يدفع الأفراد إلى العزف على نوتة الأزمات الشخصية للحصول على التفاعل السريع.
وعلى الرغم من أن بعضهم قد يبدأ ذلك بأسلوب البحث عن الدعم العاطفي، إلا أن الأرباح المالية والشهرة السريعة تحول المشكلة إلى "سلعة" تُعرض باستمرار. يؤدي هذا السلوك إلى تبلد الحس الاجتماعي، حيث تصبح المعاناة الإنسانية مجرد مادة ترفيهية يُستهلك التفاعل معها لفترة قصيرة قبل الانتقال إلى أزمة جديدة.
ظاهرة" تجارة الأزمات " :
توضح الدكتورة سامية خضر ، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن انتشار ظاهرة تجارة الأزمات يعكس تراجع مفاهيم الحياء والخصوصية في المجتمع الحديث لصالح المادية المفرطة. وتضيف أن تحويل المشاكل الشخصية والأسرية إلى عرض علني يضعف هيبة الأسرة ويجعل الخلافات العادية عرضة لتنكيل ورأي الجمهور، مما يصعّب فرص الحل المباشر والصلح بين الأطراف ، كما أن هذه الظاهرة تنشر حالة من الاستسهال، وتجعل أجيال الشباب يعتقدون أن تعرية الذات هي الطريق الأسهل للنجاح المالي.
من جانبه، يرى الدكتور أحمد مصطفى عزام ، استشاري العلاقات الأسرية والعلاج النفسي والسلوكي، أن عرض الأزمات الشخصية على المنصات يُدخل صاحبها في حلقة مفرغة من الإدمان النفسي للتفاعل الجماهيري.
ويشير إلى أن الفرد يتنازل تدريجياً عن حدوده النفسية وصحته العاطفية في سبيل إرضاء المتابعين، وعندما تتراجع المشاهدات قد يلجأ لتصنيع أزمات وهمية أو تضخيم المشاكل البسيطة ، هذا النمط يؤدي في النهاية إلى أزمات نفسية حادة، وشعور بالفراغ، والانهيار العاطفي عند انفضاض الجمهور عنه.
بينما يعد تحول الأزمات والمشاكل الشخصية إلى استثمار تجاري يمثل انحرافاً سلوكياً يهدد البنية الأخلاقية والنفسية للمجتمع. يجب على الجمهور والمؤسسات الإعلامية والتثقيفية رفع الوعي برفض المتاجرة بالآلام والخصوصيات، وتقديم الدعم الحقيقي عبر القنوات المتخصصة بدلاً من ساحات التفاعل الافتراضي. إن إعادة الاحترام للخصوصية وصون حرمة الحياة الشخصية هما الأساس لحماية الصحة النفسية للأفراد واستقرار المجتمع.

