رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مريم بدران : مجتمع بلا ضجيج .. حين يهزم اللقاء الحقيقي صورةً صنعتها الحكايات

 بقلم مريم بدران
بقلم مريم بدران : مجتمع بلا ضجيج

هناك مسافة خفية تفصل أحيانًا بين الإنسان والإنسان… مسافة لا تصنعها الجغرافيا، بل تصنعها الحكايات التي نسمعها قبل أن نعيش التجربة.
كم من صورة نحملها عن مجتمع أو شعب لأننا ورثناها من حديث عابر، أو موقف فردي، أو انطباع لم نختبره بأنفسنا؟ وكم من مرة اكتشفنا أن الحقيقة أكثر اتساعًا من تلك الصورة الصغيرة التي رسمناها في أذهاننا؟
الإنسان بطبيعته يبحث عن التفسير السهل ، يضع الملايين في إطار واحد، ويختصر المجتمعات في كلمات قليلة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا وجمالًا من ذلك. فلا يوجد مجتمع بلا اختلاف، ولا شعب بلا تنوع، ولا مكان يخلو من الخير والضعف، من الكريم والبخيل، من المتسامح والقاسي. فالمجتمعات ليست قوالب مغلقة، بل هي بشر يحملون كل التناقضات الإنسانية.
لفترة طويلة، كنت أسمع كما يسمع كثيرون صورًا وانطباعات مختلفة عن مجتمعات الخليج، دون أن تكون لدي تجربة شخصية تجعلني أتبنى تلك الآراء أو أرفضها. بقيت تلك الأفكار مجرد أصوات بعيدة… حتى جاءت الحياة بلقاءات إنسانية عابرة خارج المكان نفسه. هناك، اكتشفت شيئًا بسيطًا لكنه عميق: الإنسان لا يشبه دائمًا الصورة التي تُرسم عنه.
في التعامل اليومي، في الكلمات الصغيرة، في طريقة الحوار، في احترام الآخر، تظهر أشياء لا يمكن أن تنقلها الأخبار ولا تختصرها النقاشات العامة. وجدت لطفًا في أشخاص تعاملت معهم، ورأيت أن الاحترام ليس مجرد سلوك عابر، بل قيمة تُفرض بحضور الإنسان وتكشف مستوى الوعي في التعامل. فتلك المواقف التي قد تبدو صغيرة، تكشف الكثير عن التربية والثقافة والقيم التي يحملها الإنسان.
لم يكن الاكتشاف أن هناك مجتمعًا مثاليًا فالكمال ليس صفة بشرية. ولم يكن المعنى أن تجربة محدودة يمكن أن تحكم على ملايين البشر. بل كان الاكتشاف الأهم أن العدل يبدأ عندما نمنح الإنسان فرصة أن يُعرف نفسه بنفسه، لا أن نكتفي بصورة جاهزة عنه.
فالأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. هي تظهر عندما لا يكون الإنسان أمام كاميرا، ولا يبحث عن إشادة، ولا ينتظر مقابلًا. تظهر في احترام شخص لا نعرفه، في طريقة الحديث مع من يختلف معنا، في حفظ كرامة الآخر، وفي تلك التفاصيل اليومية التي تبدو عادية لكنها في الحقيقة تبني صورة المجتمع.
قد ينجح مجتمع في بناء المدن، وتطوير الاقتصاد، وصناعة المستقبل، لكن التحدي الأكبر يبقى دائمًا: كيف يحافظ على إنسانيته وسط سرعة التغيير؟
إن المجتمعات الحديثة تعيش اليوم سؤالًا عميقًا: كيف يمكن للإنسان أن يركض نحو المستقبل دون أن يفقد الأشياء التي منحته هويته؟ كيف يحافظ على جذوره وهو يفتح أبوابه للعالم؟ وكيف تنتقل القيم من جيل إلى جيل في زمن تتغير فيه كل التفاصيل بسرعة هائلة؟
الهوية ليست رفضًا للآخر، وليست انغلاقًا خلف الماضي. الهوية الحقيقية هي قدرة المجتمع على معرفة من أين جاء، وهو يقرر إلى أين يذهب. هي أن يحمل الإنسان ذاكرته معه، لا كعبء، بل كقوة تمنحه التوازن.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الحقيقة، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى العودة إلى اللقاء الإنساني المباشر. فالشعوب لا تُعرف فقط بما نقرأ عنها، بل بما نراه في أبنائها، في تعاملاتهم، وفي الطريقة التي يجعلون بها الآخرين يشعرون بالقرب أو البعد.
هناك قوة هادئة لا تظهر في العناوين الكبرى: قوة الاحترام. إنها عملة لا تفقد قيمتها في أي مجتمع، لأنها لا ترتبط بالثروة ولا بالمكانة ولا بالاختلافات بين البشر.
في النهاية، لا تبقى في ذاكرة الناس فقط المباني التي ارتفعت، ولا الأرقام التي تحققت، بل تبقى تلك التفاصيل الهادئة التي تكشف جوهر المجتمعات: يد تمتد بالمساعدة، كلمة تحفظ الكرامة، تعامل يمنح الآخر شعورًا بالأمان، ورحمة لا تتوقف عند الإنسان فقط، بل تمتد إلى كل مخلوق ضعيف يحتاج إلى العناية.
فالمجتمع الذي يحترم الإنسان في اختلافه، ويرفق بالحيوان في ضعفه، ويحفظ للبيئة حقها، هو مجتمع أدرك أن الحضارة ليست مظهرًا خارجيًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية يومية.

قد تصنع الدول مدنًا مذهلة، لكن أجمل ما يمكن أن تصنعه هو ثقافة يشعر فيها الإنسان أنه مُقدر، وأن الأمان ليس مجرد قانون، بل إحساس يعيش معه في تفاصيل حياته.

وربما كانت العلامة الأعمق على تقدم أي مجتمع ليست فقط قدرته على الوصول إلى المستقبل، بل قدرته على الوصول إليه بقلب ما زال يعرف معنى الرحمة، وقيمة الاحترام، وجمال أن يبقى الإنسان إنسانًا في عالم يتغير بسرعة.

فالأوطان لا تُخلد فقط بما تبنيه فوق الأرض، بل بما تزرعه في النفوس.

تم نسخ الرابط