رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

​الطلاق بين "ثقافة الخراب" و"الحكمة الشرعية"/ ​بقلم: إبراهيم ماهر

هير نيوز

​​في رحاب الشريعة الإسلامية يتبدى لنا بوضوح أن الأحكام لم تُشرع لتكون قيداً على النفوس بل لتكون مساراتٍ للعدل والرحمة. ومن بين هذه الأحكام يأتي "الطلاق" كحقيقة واقعية لكنه تحول في الوعي الاجتماعي لدى الكثيرين إلى "وصمة عار" أو "خراب" يوشك أن يهدم أركان المجتمع. والحقيقة أن هذه النظرة الضيقة تغفل عن حكمة إلهية سامية جعلت من الطلاق صمام أمانٍ يقي المجتمع من التهالك النفسي والانهيار الأخلاقي.
​لقد وضع الله تعالى دستوراً للتعامل مع الفراق فقال جلّ جلاله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]. فجعل الله التسريح "بإحسان" قسيماً للإمساك "بمعروف" مما يدل على أن الفراق عندما تضيق السبل هو تصرفٌ شرعيٌ محمود وليس فعلاً مذموماً.
​إن الطلاق في جوهره ليس هزيمة شخصية بل هو "إجراء تصحيحي" لمسار الأسرة حين تستحيل العشرة. فالإسلام دين الفطرة والواقع لم يلزم الزوجين بالبقاء في سجنٍ من الكراهية والنزاع بل فتح لهما باب الخروج بكرامة. وهذا الخروج هو ما طبقه النبي ﷺ حين قبل طلب امرأة ثابت بن قيس في الطلاق لعدم الوفاق ولم يره ﷺ خراباً للبيوت بل كان حلاً للنفور فقال لثابت: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة" (رواه البخاري).
​إننا حين ننظر إلى الطلاق بوصفه "إجراءً تصحيحياً" وليس "خرابا " كما فى بعض الأذهان سننتقل من حالة الإنهزام إلى حالة الاستقرار. فالشريعة الغراء كفلت للمطلقة الحاضنة حقوقاً تحفظ استقلالها المادي وكرامتها الإنسانية لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]  وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]. ففرض النفقة والسكن وحق الحضانة الذي أقرّه النبي ﷺ بقوله للأم: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (رواه أبو داود)، هي أدلةٌ دامغة على أن الإسلام حفظ للمرأة مكانتها حاضنةً ومطلقةً فجعل لها أجراً على حضانتها وضماناً لحق أطفالها.
​إن دورنا اليوم كأفراد ومسؤلين  هو نزع القداسة عن "عن الموروث الذهنى ووصم الطلاق بالخراب زورا وبهتانا" .
كما أن النجاح الحقيقي للمجتمع لا يقاس بقوة التمسك بالشكل الظاهري للزواج بل بمدى احترامنا لمبدأ "المودة والرحمة" وبقدرتنا على جعل "الانفصال الراقي" منهجاً يحمي المرأة ويصون حق الصغير مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] وقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233].
​ فالحفاظ على كرامة المطلقة وضمان حق الصغير هما أسمى درجات التمدن والتمسك بروح الشريعة التي جاءت لتصلح لا لتفسد  ولتحمي لا لتهدم. وفي هذا الإطار .. أدعو دائماً إلى ترسيخ ثقافة "الرحمة في الفراق" كما هي "المودة في الوصل" لنبني مجتمعاً واعياً يُقدر الإنسان ويصون كرامته في كل ظروفه.
​فليكن طلاقنا -إن وقع- طلاقاً إحسانياً يبني للمستقبل بدلاً من أن يهدم في الحاضر  فالله تعالى يقول: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].
​إن الطلاق في ميزان الشريعة ليس "خراباً " كما يردد الكثيرين  بل هو "مخرجٌ رحيم" وعلاجٌ ضروري عندما ينعدم الوفاق
وإن استقرار المجتمع لا يبدأ من إجبار الأفراد على حياةٍ خاليةٍ من المودة بل يبدأ من تطبيق مفاهيم الإحسان في الفراق وصيانة حقوق المطلقة والحاضنة ووضع مصلحة الصغار فوق كل اعتبار. فالإنفصال الذي يُحفظ فيه الفضل وتُصان فيه الحقوق هو في الحقيقة انتصارٌ لكرامة الإنسان وحمايةٌ لكيان الأسرة التي هي صمام أمان مجتمعنا.

إبراهيم ماهر
عضو مجلس أمناء حدائق أكتوبر

تم نسخ الرابط