رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مريم النويمي: مناوبات الأقسام الحرجة ما بين الواجب والخطر

هير نيوز

كثر المتفوقين، غالبا ما يرغبون في دخول كلية الطب، إما لتحقيق رغبات ذاتية أو حلم أحد الأبوين، الجلوس على مقعد الدراسة والتعلم، يمثل أجمل مرحلة في مشوار الطب، ربما البعض يرى أن الدراسة هي الجزء الأصعب. دعونا نفكر، الدراسة مهمة بلا مسؤوليات، تعلم يقبل الفشل والمحاولة، لكن حين تكون طبيبا، تصبح المحافظة على الحياة مسؤوليتك، والخطأ من الممكن أن يؤدي إلى الموت، لذلك التعلم بحب هو طريق الإتقان.

حين يتخرج الطبيب، يكون تحت إشراف الأخصائي، وهذا تحت إشراف الاستشاري، دائما ما يشعر الطبيب المقيم، أن قرارته محمية، لأنها بموافقة من الأخصائي والذي يشعر أيضا بالأمان لأنه ناقش الأمر مع الاستشاري والذي إما غير الخطة العلاجية أو وافق عليها، وهو الشخص الأكثر مسؤولية، مطلوب منه في صباح اليوم التالي، أن يبدأ عمله بالمرور الصباحي على المرضى وتغطية عيادته، وإن لم ينم ساعة واحدة أثناء مناوبته الليلة الماضية، فحينما لا ينام القسم، لا ينام الاستشاري، الطبيب المقيم والأخصائي، يتم تسريحهما عادة في الصباح بعد المناوبة الليلية، ويبقى الاستشاري مع الفريق الصباحي، يعمل ككل يوم. أقسى المناوبات، هي تلك التي تكون في الأقسام الحرجة، والتخصصات الجراحية، إحدى زميلاتي الجراحات، دخلت عملية طارئة الساعة الواحدة ليلا وأنهتها السابعة صباحا، وأكملت دوامها الصباحي، كاستشارية مسؤولة عن الخطط العلاجية لمرضاها. مناوبات الاستشاريين في الأقسام الحرجة ليست ساعات عمل تُقاس ببصمة دخول وخروج، بل هي حالة ذهنية مستمرة من الاستعداد، حتى عندما يغادر المستشفى، يظل جزء منه هناك، مع كل حالة أمضى عليها نهاره. خلف هذه الصورة المهنية الصعبة، هناك إنسان يدفع ثمنا لا يشعر به، السهر الطويل يستهلك الجسد، ويسبب اضطرابات النوم، ومع مرور الوقت، لا يصبح الليل وقتا للراحة، بل امتدادا للعمل. الاستشاري في المناوبات الطويلة يعيش ما يشبه (الدوامة) حيث تختلط الأيام بالليالي، قلة النوم تؤدي إلى تراجع في الانتباه والذاكرة وسرعة اتخاذ القرار، والعمل لساعات طويلة أو مناوبات ممتدة يزيد احتمالية حدوث الأخطاء الطبية، فبالطبع أداء الطبيب المرهق ينخفض بشكل ملموس، مع تراجع في جودة قراراته الطبية.

الأثر لا يتوقف عند الجسد، فالإرهاق الذهني المتراكم قد يؤدي إلى ما يُعرف بالاحتراق الوظيفي، وهي حالة من الإنهاك العاطفي وفقدان الحافز، قد تمس حتى أكثر الأطباء شغفا، في الأقسام الحرجة، لا نتحدث عن تعب عابر، بل عن ظاهرة عالمية، فأكثر من 40 % من العاملين في العناية المركزة يعانون من احتراق وظيفي مرتفع، وفي بعض وحدات العناية للأطفال، قد تصل النسبة إلى 71 %، وفي دراسة سعودية حديثة أظهرت أن حوالي 60 % –80 %، من العاملين في العناية المركزة يعانون من الاحتراق الوظيفي.

الحل ليس تقليل العمل، بل إعادة تعريفه، لأنه لا يمكن تقليل الحاجة إلى أطباء الأقسام الحرجة، لكن من الممكن زيادة عدد الأخصائيين والاستشاريين فيها، ليمكن إعادة صياغة جداول المناوبات، والدعم النفسي للأطباء، الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها، أن الحفاظ على الطبيب هو حماية للمريض، ففي العنايات المركزة لا أحد ينام، لكن هناك فرقا بين طبيب يقاوم التعب، وطبيب يعمل بكامل وعيه، فالأول يبذل جهدا، ولكن الآخر ينقذ حياة ببصيرة. لذلك علينا في تحديد ساعات العمل، ألا نفكر في كم ساعة يجب أن يعمل الطبيب؟ بل، كم ساعة يمكن أن يعمل، دون أن تصبح حياة المريض في خطر؟

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط