بقلم علي الشريمي: التاريخ ليس تخصصا هامشيا
أثار قرار جامعة الملك سعود بإيقاف القبول في عدد من التخصصات، من بينها اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، نقاشًا واسعًا حول موقع العلوم الإنسانية في التعليم. وبين مؤيد يرى في القرار استجابة لمتطلبات سوق العمل، ومعارض يحذر من تقليص دور هذه التخصصات، يبرز التاريخ كنموذج واضح يمكن من خلاله فهم جوهر القضية.
التاريخ ليس مادة منفصلة عن الحياة، بل هو حاضر في تفاصيلها اليومية. يظهر في المتاحف، وفي الأعمال الدرامية، وفي الأزياء، وفي كل منتج ثقافي يحمل هوية. كثير من المشاريع اليوم لا تقوم على فكرة جديدة بقدر ما تقوم على إعادة تقديم الماضي بطريقة معاصرة، وهو ما يجعل المعرفة التاريخية جزءًا من صناعة المحتوى، لا مجرد تخصص نظري.
في الأزياء مثلًا، تعتمد عديد من العلامات على استلهام عناصر تاريخية في التصميم، من القصات إلى الزخارف، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة في السوق. وفي السياحة، تقوم التجربة بالكامل على رواية قصة المكان، من المواقع الأثرية إلى الفعاليات الثقافية. حتى في الإعلام والترفيه، لا يمكن إنتاج عمل ناجح دون فهم دقيق للسياق التاريخي الذي يُبنى عليه.
وعلى مستوى أعمق، يمنح التاريخ أدوات لفهم التحولات، وربط الأحداث، وتحليل الأنماط، وهي مهارات تتقاطع مع مجالات حديثة مثل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث يعتمد العمل فيها على قراءة السياقات واستخلاص الأنماط، وهي ذاتها الطريقة التي يعمل بها المؤرخ، وإن اختلفت الأدوات.
في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ورغم التقدم التقني الكبير، لا يزال التاريخ حاضرًا داخل الجامعات، لأنه لا يُنظر إليه كمعرفة منفصلة، بل كجزء من تكوين العقل القادر على الفهم والتحليل، وهو ما تحتاجه مختلف القطاعات.
اليوم، الدولة نفسها تتعامل مع التاريخ بوصفه أصلًا اقتصاديًا، لا مجرد مادة معرفية. إطلاق شركة «قصص» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة مثال واضح على هذا التوجه، حيث يُستثمر في تحويل التاريخ والتراث إلى تجارب تفاعلية ومنتجات ثقافية وسياحية تُدر عوائد اقتصادية. هذه المشاريع لا تقوم على الترفيه فقط، بل على محتوى تاريخي دقيق يُعاد تقديمه بأساليب حديثة.
المفارقة هنا أن التاريخ، الذي يُبنى عليه هذا النوع من الاستثمار، يُنظر إليه أكاديميًا على أنه تخصص ضعيف الارتباط بالسوق. فكيف يتحول إلى صناعة في جانب، ويُختزل في كونه عبئًا في جانب آخر، ومن أين سيأتي المحتوى الذي تقوم عليه هذه المشاريع إذا تراجع حضور التخصص نفسه في الجامعات؟
التعامل مع التعليم من زاوية الوظيفة المباشرة فقط يقدم صورة ناقصة. فبعض التخصصات لا تُقاس قيمتها بعدد الوظائف التي تخلقها، بل بالأثر الذي تتركه في طريقة التفكير وجودة القرار. والتاريخ أحد هذه التخصصات.
حين يتراجع حضوره، لا نفقد مادة دراسية فقط، بل نفقد أداة لفهم أنفسنا، وقراءة واقعنا، وبناء مستقبل أكثر وعيًا.