رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم عبير العلي: زمن الدولة الواثقة

هير نيوز

تمر بعض اللحظات في التاريخ السياسي للدول بوصفها محطات عابرة، بينما تتحول لحظات أخرى إلى بداية لمرحلة كاملة. وذكرى البيعة التاسعة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد هي نوع من هذه اللحظات الفارقة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وإعادة تعريف كثير من ملامحها في الداخل والخارج.

ففي السادس والعشرين من رمضان عام 1438 حين تمت البيعة كانت المنطقة تمر بتحولات عميقة، وكان العالم نفسه يتغير بوتيرة متسارعة، وهذا ما استدعى ألا تكون البيعة مسألة إدارة يومية لشؤون الدولة فحسب، بل صياغة تصور جديد لموقع المملكة ضمن هذا العالم المتغير، فكانت ولادة مشروع التحول الوطني الكبير -رؤية 2030- وما مثلته من إطار نظم الطموح ووجه المسار.

تسع سنوات اكتشف الشعب السعودي والعالم من حوله أن الرؤية لم تكن مجرد برنامج إصلاحي بقدر ما هي إعادة بناء شامل، نلاحظه عاما بعد عام مع كل ذكرى بيعة لسمو ولي العهد، ونقيس معها الفارق الذي تحقق من تحولات اقتصادية وثقافية وعمرانية غير مسبوقة، أُعيد معها ترتيب الأولويات، وتوسيع أفق التنمية، حتى أصبح مسار تنوع الاقتصاد السعودي جزءا من البنية الإستراتيجية للدولة مع توسع ملحوظ في القطاعات غير النفطية، واستثمارات متزايدة في الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة والاقتصاد الرقمي.

في موازاة هذا التحول الاقتصادي ظهرت مبادرات عدة تعكس أهمية الجمع بين التنمية والهوية الوطنية، منها على سبيل المثال إطلاق خريطة العمارة السعودية التي تستلهم الطابع العمراني لمناطق المملكة المختلفة، في إشارة ثقافية إلى التطور والتنامي الاقتصادي المتصل بالمكان، والممتد من هوية شعبه وتاريخه وعراقته، لتصبح التنمية اتساعا عمرانيا يحمل ملامح الوطن ويروي قصتها.

ومع ذكرى هذا اليوم الوطني لبيعة ولي العهد التاسعة، وكل تلك التحولات الكبرى في المشهد الداخلي، بقيت خدمة الحرمين الشريفين إحدى أهم الثوابت الكبرى في المشروع التنموي السعودي، من تطوير متواصل للمناطق المحيطة بالمسجد الحرام إلى رفع الطاقة الاستيعابية للحجاج والمعتمرين.

واستمر المشهد الثقافي والاجتماعي بالمملكة في الحراك المميز بالفعاليات الثقافية والفنية داخل المملكة وخارجها، وأصبحت مركزا متصاعدا للصناعات الإبداعية بجميع مجالاتها، لتصبح الثقافة جزءا من مشروع التنمية الكبير، وأداة من أدوات بناء القوة الناعمة للدولة.

وفي الشأن الخارجي، اكتسب الدور السعودي خلال السنوات الأخيرة بُعدا مختلفا في المشهد الدولي، وبرزت المملكة كعادتها خلال العام الماضي من عمر البيعة بقدرتها على الجمع بين الطموح الاقتصادي والحضور السياسي المتوازن، الذي ظهر جزء منه في أثناء زيارة ولي العهد البيت الأبيض أواخر 2025، والاستقبال الرسمي الرفيع الذي حظي به من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يعكس حجم تحول المملكة دوليا، فالزيارة لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي، بل محطة سياسية أكدت أن المملكة شريك رئيسي في معادلات الاستقرار الإقليمي والسلام الدولي، وقوة قادرة على الجمع بين حضورها الاقتصادي النوعي ودورها السيادي المؤثر في العالم، حضور تجاوز الإقليمية، وامتد إلى شبكة واسعة من الشراكات الإستراتيجية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار.

حضور المملكة العربية السعودية يتعزز كذلك عاما بعد عام عبر استضافاته المترقبة للأحداث العالمية الكبرى كمعرض إكسبو 2030 في الرياض، واستضافة كأس العالم 2034، وهي محطات تعكس ثقة متزايدة في قدرة المملكة على أن تكون مركزا دوليا للنماء الاقتصادي والثقافي والسياحي.

في هذا اللحظات الإقليمية التي تشهدها المنطقة مع ذكرى البيعة التاسعة من اضطرابات تظهر التجربة السعودية خلال السنوات التسع الماضية مختلفة في طبيعتها. ومع انشغال دول كثيرة بإدارة الأزمات، تنشغل المملكة ببناء المستقبل وتنمية الإنسان، واضعة نصب عينيها مشروع دولة يمتد لعقود.

في ذكرى البيعة التاسعة، لا يُذكر الأمر كاحتفاء مجرد لنا الحق بالتباهي به مع مرور سنواته، بل تأمل جدير في مسار يتشكل بثبات، وتاريخ يكتب بفخر، وشهادة أن المملكة مع هذه السنوات التسع دخلت بالفعل حقبة زمنية مختلفة، زمن الدولة الواثقة التي لا تتحرك لمصالحها بدافع رد الفعل، بل بثقة من يعرف موقعه وقوته وتأثيره، وصرامة من يعرف طريقه ويتجه له بثبات.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط