الدكتورة عبلة الكحلاوي: عطاء متعدد الأبعاد وأثر حضاري راسخ
لم تكن قضية كوسوفا حدثًا عابرًا في سجل المآسي الإنسانية المعاصرة، بل شكّلت جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم، وامتحانًا حقيقيًا لقيم العدالة وحقوق الإنسان، كما كانت اختبارًا أخلاقيًا لمدى حضور التضامن الإنساني والإسلامي في زمن طغت فيه المصالح السياسية على المبادئ. ففي قلب أوروبا، وعلى مرأى من المؤسسات الدولية، تعرّض شعبٌ أعزل لواحدة من أبشع حملات التطهير العرقي في نهاية القرن العشرين، استهدفت هويته، ودينه، ووجوده التاريخي.
أمام هذه المأساة، لم تقتصر المعركة على الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى ميدان الكلمة والموقف والفكر. فبرزت أصوات حرة من العالمين العربي والإسلامي حملت قضية كوسوفا إلى المنابر الإعلامية والثقافية، ورفضت الصمت والتجاهل. وكان من بين هذه الأصوات المخلصة الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي، التي تعاملت مع القضية لا بوصفها خبرًا سياسيًا، بل باعتبارها قضية إنسانية وأخلاقية تمس جوهر الرسالة الإسلامية القائمة على نصرة المظلوم ورفع الظلم أيًا كان موضعه.
إن هذا المقال، يسعى إلى إعادة قراءة قضية كوسوفا من زاوية مختلفة: زاوية الوفاء الفكري والإنساني، حيث تلتقي الشهادة العلمية بالموقف الأخلاقي، ويتحوّل الشعر إلى وثيقة وجدان تعبّر عن امتنان شعبٍ لمن وقف معه في محنته. فهو ليس مجرد رثاء لشخصية فكرية راحلة، ولا مجرد استذكار لمرحلة تاريخية، بل محاولة لتأكيد أن القضايا العادلة لا تموت ما دامت حاضرة في الوعي، ومادامت تجد من يحملها علمًا وكلمةً وموقفًا.
المرأة في فضاء التحرير الحضاري الإسلامي
يُمثل المنهج الإسلامي في تحرير المرأة منحىً فريداً في تاريخ الحضارات، إذ ارتقى بكرامتها لتكون شريكاً فاعلاً في بناء المجتمع. لقد جاء الإسلام ليُحرر الإرادة ويُعلي شأن العقل والروح، فجعل من المرأة طبيبةً للنفوس وعالمةً مُجتهدةً وداعيةً مؤثرة. وفي سياق هذا الإرث الحضاري العظيم، برزت نماذج نسائية حملت مشاعل العلم والدعوة، وكانت الأستاذة الدكتورة عبلة محمد الكحلاوي (1948-2021) واحدة من أبرز تلك النماذج في العصر الحديث، التي جمعت بين العمق الأكاديمي والحضور الدعوي والإنساني الفاعل.
السيرة الذاتية: مسيرة علم وعطاء
وُلدت الدكتورة عبلة الكحلاوي في ديسمبر 1948 في حي الزمالك بالقاهرة، وهي الابنة الكبرى للمنشد الديني المعروف محمد الكحلاوي. تزوجت مبكراً من اللواء المهندس محمد ياسين بسيوني، أحد أبطال حرب أكتوبر الذي استُشهد في المعركة، فتحملت مسؤولية تربية بناتها الثلاث ومواصلة مسيرتها العلمية والدعوية بصبر وإصرار.
حصلت على ليسانس الدراسات الإسلامية من جامعة الأزهر (1969)، ثم الماجستير (1974) والدكتوراه (1978) في الفقه المقارن، لتتدرج في السلك الأكاديمي حتى أصبحت أستاذة الفقه المقارن وعميدة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر.
الأثر متعدد الأبعاد: تقييم شامل للمسيرة
1. الأثر الفكري والعلمي
تميزت إنتاجاتها الفكرية بالتوازن بين الأصالة والمعاصرة، حيث تناولت قضايا فقهية حيوية بمنهجية مقارنة رصينة. من أبرز مؤلفاتها:
• "الخلع دواء ما لا دواء له": دراسة فقهية مقارنة تواكب واقع الأسرة المسلمة.
• "بنوك اللبن وبنوك التقوى": مقاربة شرعية لقضايا طبية معاصرة.
• "فاعلية الزكاة في حماية الاقتصاد والتنمية": رؤية اقتصادية إسلامية تطبيقية.
• "قضايا المرأة في الحج والعمرة": إضاءات فقهية تراعي خصوصية المرأة.
اتسم أسلوبها بالدقة العلمية مع سلاسة العرض، مما جعل نتاجها الفكري متاحاً للنخبة والعامة على حد سواء.
2. الأثر الدعوي والتربوي
شكّلت الدكتورة عبلة ظاهرة دعوية متميزة عبر:
• الدروس اليومية في الكعبة (1987-1989) التي استقطبت نساء مسلمات من مختلف الثقافات.
• برامجها التلفزيونية مثل "في حب المصطفى" على قناة الرسالة، التي تميزت بالتركيز على الجوانب الروحانية والأخلاقية.
• اتباع منهج التدرج والحكمة في الدعوة، مما جعلها مقبولة لدى شرائح واسعة من المجتمع.
• تبني قضايا التائبات من الفنانات وغيرها، ومساعدتهن على الاندماج الإيجابي في المجتمع.
3. الأثر الاجتماعي والإنساني
تجسد عطاؤها الاجتماعي في:
• تأسيس جمعية الباقيات الصالحات في المقطم، التي أصبحت من أكبر المؤسسات الخيرية في مصر.
• رعاية متكاملة للأيتام ومرضى السرطان وكبار السن (خاصة مرضى الزهايمر).
• برامج تمكين المرأة من خلال تأهيل الأرامل والمطلقات وتجهيز العرائس.
• استجابة سريعة للأزمات، كما في حملات توفير الأكسجين لمرضى كورونا.
4. الأثر الثقافي والحضاري
ساهمت في:
• تكريس نموذج المرأة العالمة الداعية الذي يجمع بين العمق الشرعي والفعالية المجتمعية.
• ربط الخطاب الديني بالواقع المعاش من خلال معالجة قضايا الأسرة والمرأة بمنهجية وسطية.
• تأصيل مفهوم التكافل الاجتماعي كركن من أركان البناء الحضاري.
5. الأثر الاقتصادي
تمثل في:
• الدراسات التطبيقية مثل بحثها حول الزكاة والتنمية.
• النموذج العملي للمؤسسات الخيرية المنتجة التي توازن بين الإغاثة والتمكين.
• تشجيع اقتصاد الرحمة القائم على التكافل والتضامن الاجتماعي.
6. الأثر السياسي والدبلوماسي
برغم عدم انخراطها المباشر في العمل الحزبي، إلا أن لها أثراً سياسياً من خلال:
• تعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني.
• تمثيل مصر إعلامياً في القنوات العربية كوجه ديني معتدل.
• تأثيرها غير المباشر في تشكيل الرأي العام حول القضايا الاجتماعية.
7. الأثر الدبلوماسي غير المباشر
من خلال:
• دروسها في الحرم المكي التي شكلت جسراً ثقافياً مع المسلمات من مختلف الجنسيات.
• صورة مصر الحضارية التي نقلتها عبر وسائل الإعلام العربية.
• تواصل بناتها مع مجتمعات مختلفة عبر العمل الدبلوماسي لزوج إحداهن.
الخصائص المميزة لمنهجها
1. التراكمية والتدرج: بنت شخصيتها العلمية والدعوية عبر عقود من الجهد المتواصل.
2. الموازنة بين الأدوار: جمعت بين الأكاديمية والدعوية والأمومة والقيادة المجتمعية.
3. الواقعية والمرونة: عالجت القضايا بمراعاة الظروف الاجتماعية دون تفريط في الثوابت.
4. القدوة الحسنة: عكست مبادئها في سلوكها الشخصي والعائلي والاجتماعي.
التحديات والتجاوز
واجهت الدكتورة عبلة تحديات شخصية ومجتمعية، بدءاً من تحمل مسؤولية أسرة بعد استشهاد زوجها، ومروراً بالعمل في مجال كان يهيمن عليه الذكور تقليدياً، وانتهاءً بضرورة الموازنة بين التقاليد الأكاديمية ومتطلبات الخطاب الدعوي المعاصر. تجاوزت هذه التحديات بحكمة وصبر وإصرار، فخلقت لنفسها مساحة متميزة جمعت فيها بين هيبة العالم وجاذبية الداعية.
التحليل الأدبي النقدي لكتاب "قلبي معك" للدكتورة عبلة الكحلاوي
"قلبي معك": رسالة إنسانية ودعوية في عالم متغير
يُعد كتاب "قلبي معك" للدكتورة عبلة الكحلاوي عملاً متميزاً يجمع بين العمق الديني والحس الإنساني والرؤية الاجتماعية المعاصرة. يقدم الكتاب نفسه كرسالة حب وتوجيه للمرأة في مختلف أدوارها: كأم، وزوجة، وعاملة، وابنة، وداعية. من خلال أسلوب سردي حميمي ومباشر، تطرح الكاتبة قضايا المرأة والأسرة في ضوء الشريعة الإسلامية، مع ربطها بتحديات العصر ومتغيراته. لا يكتفي الكتاب بالتنظير، بل ينزل إلى أرض الواقع من خلال نماذج حية ورسائل من القراء، مما يجعله مرآة تعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
التحليل النقدي والأدبي
1. البنية والأسلوب:
• البنية الحوارية: اعتمدت الكحلاوي أسلوب الرسائل الموجهة إلى فئات مختلفة (الأم، العاملة، الزوجة، البنت)، مما خلق حواراً مباشراً مع القارئ، وكسر الحاجز بين الكاتب والمتلقي.
• اللغة: جمعت بين اللغة العربية الفصيحة والعبارات العامية في بعض المقاطع، مما يجعل النص قريباً من القلب وسهل التلقي.
• التنظيم: رغم أن الكتاب يبدو غير منتظم في تسلسله (يخلط بين الموضوعات الشخصية والقضايا العامة)، إلا أن هذا يعكس طبيعة الرسائل الواردة من القراء، مما يضفي طابعاً واقعياً وعفويّاً.
2. المحتوى الفكري والديني:
• تحرير المرأة في الإسلام: تكرس الكاتبة مساحة كبيرة لدفع الصورة النمطية عن المرأة في الإسلام، مؤكدة على حقها في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية، مستشهدة بالنصوص الشرعية والتاريخ الإسلامي.
• الأسرة والتربية: يتناول الكتاب قضايا تربية الأبناء، حقوقهم النفسية والروحية، ودور الأم كحاضنة ومعلمة، مع نقد للتقاليد الاجتماعية التي تضر بالطفل.
• الزواج والحياة الأسرية: تناقش الكاتبة تحديات الزواج، العلاقة بين الزوجين، وحقوق المرأة في حالة الطلاق أو الإهمال، مع تقديم حلول عملية مستمدة من الفقه الإسلامي.
3. الأبعاد الاجتماعية والنفسية:
• المرأة بين التقاليد والعصرنة: تقدم الكاتبة رؤية متوازنة ترفض الانغلاق التقليدي والتبعية الثقافية الغربية، داعية إلى وعي إسلامي معاصر.
• الصحة النفسية: تطرقت إلى قضايا مثل الاكتئاب، العزلة، التوتر الأسري، مع تقديم نصائح عملية مستمدة من الدين والتجربة الإنسانية.
4. النقد الذاتي والمجتمعي:
• نقد الخطاب الديني التقليدي: تنتقد الكاتبة بعض الممارسات الدعوية التي تهمش المرأة أو تحرمها من حقوقها.
• نقد الإعلام والثقافة الاستهلاكية: خصصت فصلاً عن صورة المرأة في الإعلام وأثرها على القيم الاجتماعية، داعية إلى إعلام هادف يحافظ على الهوية.
تقييم أثر الكتاب
1. على الصعيد الفكري والأدبي:
• يعد الكتاب إضافة نوعية للأدب الدعوي النسوي، حيث يجمع بين العمق الشرعي والأسلوب الأدبي المؤثر.
• قدم نموذجاً للكتابة الإسلامية المعاصرة التي تتحدث بلغة العصر دون التفريط في الأصالة.
2. على الصعيد الدعوي والثقافي:
• ساهم في تقديم صورة مشرقة عن المرأة المسلمة المنفتحة الواعية.
• أصبح مرجعاً في الندوات والدورات التدريبية الخاصة بالمرأة والأسرة.
3. على الصعيد الاجتماعي والسياسي:
• ناقش قضايا حساسة مثل الطلاق، العنف الأسري، حقوق الطفل، مما ساهم في رفع الوعي المجتمعي.
• عبر عن هموم المرأة العربية في فترة تحولات سياسية واجتماعية، مما أضاف بعداً سياسياً غير مباشر.
4. على الصعيد النفسي والإنساني:
• قدم دعماً معنوياً للكثير من النساء من خلال رسائلهن وقصصهن، مما يعكس أثراً نفسياً إيجابياً.
• ركز على البعد العاطفي والروحي في العلاقات الأسرية، مما يعيد الاعتبار للمشاعر في الحساب الديني.
5. على الصعيد التاريخي:
• يوثق الكتاب مرحلة من تاريخ المرأة العربية المسلمة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مما يجعله وثيقة اجتماعية ذات قيمة.
6. على الصعيد الدبلوماسي:
• يقدم صورة متزنة عن الإسلام والمرأة، يمكن أن تساهم في الحوار بين الحضارات، ورد الصور النمطية السلبية.
وخلاصة القول، فإن كتاب "قلبي معك" ليس مجرد كتاب دعوي تقليدي، بل هو رسالة إنسانية شاملة تلامس القلب والعقل معاً. تميزت الدكتورة عبلة الكحلاوي بقدرتها على الجمع بين الالتزام الديني والانفتاح على العصر، مما جعل كتابها مرجعاً مهماً للمرأة المسلمة المعاصرة. رغم بعض المآخذ على التنظيم أو التفاصيل الفقهية، إلا أن قيمة الكتاب تكمن في روحه الإنسانية وأثره الاجتماعي العميق.
يظل هذا الكتاب نموذجاً للكتابة الإسلامية التي تتسم بالوعي والرحابة، وتقدم حلولاً عملية لقضايا حقيقية، مما يجعله عملاً خالداً في مكتبة الأدب الدعوي والاجتماعي العربي.
كلمة أخيرة:
"قلبي معك" هو أكثر من كتاب، هو رفقة روحية وفكرية لكل امرأة تسعى إلى التوازن بين إيمانها وواقعها، بين تراثها ومعاصرتها.
لقاء البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل بالدكتورة عبلة الكحلاوي: شهادة شخصية
يُعدّ لقائي الأول بالأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي محطةً فارقة في مسيرتي الفكرية والإنسانية؛ إذ كان سماعي بها عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة حين كانت تؤدي دوراً بارزاً في الدفاع عن قضايا البوسنة والهرسك وكوسوفا زمن العدوان الصربي الغاشم، حيث ناقشت القضية على مختلف المستويات، مطالبةً المجتمع الدولي بالتحرك السريع والفعال لردع العدوان وحماية الشعب الأعزل.
ثم شاءت الأقدار أن ألتقي بها في عدد من المحافل والندوات والمؤتمرات، فازدادت معرفتي بها، خاصةً وأنها كانت تدرّس للطالبات الألبان في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر الشريف. وقد توثقت بيننا العلاقات لما وجدته فيها من مفكرة إسلامية كبيرة، صاحبة نشاط واسع في خدمة قضايا الأمة، وذات حضور مؤثر في الفكر والثقافة.
لقد مثّلت شخصية الدكتورة عبلة الكحلاوي بالنسبة لي نموذجاً فريداً؛ فهي صاحبة علم غزير، وخبرة واسعة، ومنهج رصين، إلى جانب قلب رحيم يئنّ لما يصيب المسلمين من نكبات، ويسعى لقضاء حوائجهم بلا كلل أو تردد. وقد أخذت على عاتقها مهمة تنوير المرأة المسلمة وإرشادها إلى الطريق القويم، فكانت مثالاً للمرأة المفكرة العاملة بجد واجتهاد في سبيل رفعة الإسلام والمسلمين.
ومن خلال لقاءاتنا المتكررة، كان الحديث دائماً يدور حول قضايا البلقان عامة وقضية كوسوفا خاصة، حيث وجدت فيها شخصية علمية فكرية متميزة، ذات ثقافة عالية ودراية عميقة بأمور تستعصي على كثير من الرجال. وقد دفعني ذلك إلى التفكير في تأليف كتاب بعنوان "الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي: حياتها وفكرها"، بهدف ترجمته لاحقاً إلى اللغة الألبانية ليكون مرجعاً للنساء الألبانيات في كوسوفا وألبانيا ومقدونيا وخارجها.
إن الحديث عن هذه المفكرة الكبيرة هو حديث عن رمز بارز في الفكر والثقافة، وعن جهود بنّاءة داخل مصر وخارجها في نشر العلم وخدمة قضايا المسلمين. فهي مثال حيّ على مساهمة المرأة في إنعاش الحياة الثقافية والاجتماعية، ومن أعلام الفكر المعاصر الذين أسهموا في كشف القضايا الكبرى وإبرازها للوعي العام.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أؤكد أنها شخصية لا تُنسى، تستحق العناية والاهتمام لتواصل عطائها، جزاها الله عن الإسلام والمسلمين وطلاب العلم خير الجزاء.
تصريحات البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي حول شخصية الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي
أقوال مختارة للدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي:
1. حول دورها في نصرة قضايا الأمة:
> "كانت صوتاً قوياً في محنة كوسوفا، تناقش القضية بكل تفاصيلها الإنسانية والدينية، وتناشد المجتمع الدولي للتحرك الفعّال لردع العدوان. في وقت كان كثيرون يلتزمون الصمت، كانت هي ترفع الصوت من مصر إلى العالم العربي والإسلامي، لتذكير الجميع بواجبهم تجاه إخوانهم المضطهدين."
2. عن شخصيتها العلمية والإنسانية:
> "وجدتها شخصية علمية فكرية متميزة في أسلوبها ومنهجها وطريقها، تتمتع بثقافة عالية وخبرة ودراية بأمور تستعصي على الكثير من الرجال. الأهم من ذلك، وجدتها ذات قلب رحيم يئن لما يحدث للعالم الإسلامي من نكبات واعتداءات."
3. عن همتها الدعوية والتنويرية:
> "لم تتعلل مرة، أو تتخاذل عن نصرة المسلمين. بل أخذت على عاتقها حملة تنوير المرأة المسلمة، وإرشادها بشتى الوسائل. كانت مثالاً حياً للمرأة المفكرة الطيبة التي تعمل بجد واجتهاد ليلاً ونهاراً في سبيل رفعة الإسلام والمسلمين."
4. عن رؤيتها الشاملة للقضايا الإسلامية:
> "هي نموذج بارز لمساهمة المرأة في إنعاش الحياة الثقافية والاجتماعية، ومن أعلام الفكر المعاصر من النساء، بل من جيل الرواد الذين استطاعوا أن يحققوا الكثير ويكشفوا اللثام عن قضايا مهمة."
5. حول عطائها المتعدد الأبعاد:
> "كان لها دور بارز وفعال في حقل الفكر والثقافة، وقامت بجهود بناءة داخل مصر وخارجها في سبيل نشر العلم وخدمة قضايا المسلمين."
6. خلاصة تقييمه لها:
> "إنها شخصية لا تنسى، وينبغي العناية بها وبتجربتها. جزاها الله عن الإسلام والمسلمين وطلاب العلم خير الجزاء."
هذه الأقوال مستخلصة من شهادة البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي الشخصية ومن كتابه "الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي: حياتها وفكرها".
نظرًا للعلاقة الوثيقة التي جمعت بين كاتب هذه السطور، الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل، والأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي، رحمها الله، فقد استمرّ بيننا تعاونٌ علميّ وثقافيّ وتوعويّ مثمر، ولا سيّما في ما يتعلّق بقضية كوسوفا العادلة، التي كانت حاضرةً في وجدانها ومواقفها، قولًا وفعلًا.
وقد تُوّج هذا التفاعل الفكري والإنساني بتأليف كتابٍ خاص عنها حمل عنوان: "الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي: حياتها وفكرها"، توثيقًا لمسيرتها العلمية والدعوية، وإبرازًا لأثرها الحضاري والإنساني.
وانطلاقًا من هذا الوفاء العلمي والإنساني، يشرفني أن أقدّم قصيدةً شعريةً مرفقةً بتحليلٍ أدبيّ، إهداءً صادقًا من شعب كوسوفا إلى روح الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي، تقديرًا لمواقفها النبيلة، وعرفانًا بدورها الريادي في نصرة قضايا الأمة، وفي مقدّمتها قضية كوسوفا.
رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمته في ميزان حسناتها.
قصيدة: "وردة البلقان إلى روح النور"
تأليف: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
إهداء من شعب كوسوفا إلى روح الأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي (رحمها الله)
القصيدة:
عَبْلَةُ العِلْمِ وَالإِحْسَانِ، يَا نُورَ الْهُدَى
زَهْرَةٌ مِنْ جِنَانِ الرَّحْمَنِ، طَابَ الْمَسْرَى
رَحَلْتِ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى بِغَيْرِ انْتِظَارِ
وَتَرَكْتِ لَنَا الإِيثَارَ وَذِكْرَى الاِخْتِصَارِ
كُوسُوفَا الْجَرِيحَةُ تَبْكِيكِ يَا أُمَّ الْيَتَامَى
وَتُرَدِّدُ: "رَحِمَ اللهُ الَّتِي كَانَتْ غَمَامَا"
تَسْقِي الْقُلُوبَ عِلْمًا وَالْأَرَامِلَ كَرَمَا
فِي زَمَنٍ صَارَ الْإِنْسَانُ فِيهِ مُحَرَّمَا
كُنْتِ لِلْبُوسْنَةِ الْمَكْرُوهَةِ صَوْتًا وَانْتِصَارًا
وَلِكُوسُوفَا ضِيَاءً بَعْدَ لَيْلٍ دِيجَارًا
عَالَمًا بِالشَّرِيعَةِ، قَلْبًا بِالْيُتْمِ رَحِيمًا
عَقْلًا بِالْحِكْمَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَكِيمًا
"بَاقِيَاتٌ صَالِحَاتٌ" لِلْأَسَى سَهْمٌ نَافِذُ
وَلِرَبِّ الْعَرْشِ عَمَلٌ فِي السَّمَاءِ قَدْ رُفِعَ
يَا شَمْسًا غَابَتْ عَنَّا وَالضِّيَاءُ بَقِيَّةٌ
فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَفِي السَّمَاءِ قِسْطَةٌ
نَعْبُدُ اللهَ وَإِيَّاكِ عَلَى الْعِلْمِ شُكُورٌ
وَبِجَنَّاتِ النَّعِيمِ الْيَوْمَ لِلرُّوحِ ظُهُورٌ
كُوسُوفَا الْإِسْلَامِ تَرْفَعُهَا إِلَيْكِ دَعَوَاتٌ
وَتُمَطِّرُهَا سَحَابَاتٌ مِنَ الْبَرَكَاتِ
سَائِلِينَ الإِلَهَ أَنْ يَجْعَلَ الْجَنَّةَ مَأْوَاكِ
وَأَنِ الْحُسْنَى لِرُوحِكِ فِي الْعُلَى مَأْوَاكِ
وَأَنِ الْعِلْمُ الَّذِي أَنْفَقْتِهِ يَبْقَى نَدًى
يَرْوِي الْأَجْيَالَ مِنْ بَعْدِكِ حَتَّى يَوْمِ الْحَشَرِ
التحليل الأدبي والفني:
1. الإطار الشعري:
• الوزن: قصيدة عمودية على بحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن)، وهو بحر يليق بالرثاء الجاد والمقامات الرفيعة.
• القافية: موحدة على حرف الراء مع تنويع في الحركة (مجرى، اختصار، يَتامَى، غماما...)، مما يعطي انسيابية موسيقية.
2. الرموز والدلالات:
• "وردة البلقان": ترمز إلى روح الدكتورة عبلة التي امتد عطرها إلى بلاد البلقان رغم البعد الجغرافي.
• "غمامًا": تشبيهها بالسحابة الممطرة بالخير والعطاء في أرض القحط الإنساني.
• "باقيات صالحات": إشارة ذكية إلى اسمها الخيري وإلى الآية القرآنية، توحي باستمرارية الأثر.
• "شمسًا غابت": استعارة مكنية عن الرحيل مع بقاء النور (الأثر).
3. المستويات البلاغية:
• الطباق: "ليل ديجارًا" مقابل "ضياءً".
• التورية: "مأواك" بمعنى مستقرك في الدنيا والآخرة.
• -الجناس: "ندى" بمعني العطاء والندوة العلمية.
• التكرار: "كوسوفا" لتأكيد الهوية المهداة منها القصيدة.
4. الأبعاد التاريخية والوطنية:
• تذكر القصيدة البوسنة وكوسوفا تحديداً، إشارة إلى دورها في قضايا المسلمين في البلقان.
• التركيز على "اليُتم" و"الأرامل" يشير إلى جانبها الإنساني الخيري.
• "بعد ليل ديجار" إشارة إلى محنة كوسوفا في التسعينيات.
5. البعد الديني:
• الافتتاح بالحمدلة والتسبيح.
• الإشارة إلى "جنان الرحمن" و"الملأ الأعلى".
• الختم بالدعاء القرآني (الحُسنى) والمآل الأخروي.
6. الشخصية المتعددة الأبعاد:
عكست القصيدة أبعاد شخصية الدكتورة عبلة:
• البعد العلمي: "عبلة العلم"
• البعد الإنساني: "أم اليتامى"
• البعد الدعوي: "صوتًا وانتصارًا"
• البعد الخيري: "باقيات صالحات"
7. اللغة والأسلوب:
• جمعت بين الجزالة الكلاسيكية وبساطة المعنى.
• استخدام مصطلحات إسلامية (الشرعية، الحكمة الإسلامية) دون تعقيد.
• انسيابية في الانتقال بين المدح الرثائي والوصف والدعاء.
وخلاصة القول، فإن هذه القصيدة ليست مجرد رثاء تقليدي، بل هي وثيقة عرفان من أمةٍ (كوسوفا) إلى عالمةٍ رحلت. إنها تجسد علاقة الروح الإسلامية الجامعة التي تتخطى الحدود الجغرافية، حيث يبكي البلقان عالمة من وادي النيل، لأنها كانت لهم أماً روحية وداعمة في محنهم.
"تلك القصيدة نُقشت على جدار القلب قبل الورق، فهي من دمع الامتنان لا من حبر الأقلام."
إرث متجدد
رحلت الدكتورة عبلة الكحلاوي في يناير 2021 متأثرة بجائحة كورونا، لكن إرثها ظلّ حياً في:
• المؤسسات الخيرية التي أسستها وتستمر في العطاء.
• الأجيال من الطالبات اللاتي شكلتهن علمياً ودعوياً.
• الإنتاج الفكري الذي يظل مرجعاً في بابه.
• النموذج الحي للمرأة المسلمة التي تنجح في الجمع بين الإتقان العلمي والعطاء المجتمعي.
لقد كانت بحق "أيقونة الداعيات" و"الأم الروحية" لجيل كامل، وتركت فراغاً ليس سهلاً أن يمتلئ، لكن بذور الخير التي غرستها ستثمر -بإذن الله- أجيالاً تحمل المشعل من بعدها.
خاتمة
تُثبت تجربة كوسوفا، كما يبرزها هذا المقال، أن القضايا العادلة لا تحتاج فقط إلى السلاح أو القرارات الدولية، بل تحتاج قبل ذلك إلى ضمير حيّ، وإلى مثقفين وعلماء يحملون همّ الإنسان قبل أي اعتبار آخر. لقد كانت كوسوفا بالنسبة للأستاذة الدكتورة عبلة الكحلاوي قضية إيمان ومسؤولية، وليست مجرد تعاطف عابر، ولذلك ظل اسمها حاضرًا في الذاكرة الكوسوفية بوصفها صوتًا صادقًا في زمن الصمت.
ومن خلال الشهادة الشخصية، والتحليل الفكري، والقصيدة المهداة من شعب كوسوفا، يتجلى البعد العميق للعلاقة بين الشعوب الإسلامية، حيث تتجاوز الجغرافيا واللغة، وتتوحد حول قيم العدل والرحمة والكرامة الإنسانية. إن استحضار هذه المواقف اليوم ليس فعل حنين إلى الماضي، بل هو دعوة صريحة لإحياء ثقافة الالتزام الأخلاقي في التعامل مع قضايا المظلومين في عالمنا المعاصر.
وهكذا، تبقى كوسوفا رمزًا لمعاناة لم تُنسَ، ودليلًا على أن الكلمة الصادقة قد تكون أحيانًا أبلغ أثرًا من السلاح، وأن الوفاء للمواقف النبيلة هو أحد أشكال المقاومة الثقافية والإنسانية. رحم الله من نصروا الحق بالكلمة والموقف، وجعل ذاكرتهم منارة تهدي الأجيال القادمة إلى معنى المسؤولية التاريخية والإنسانية.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا
عضو مجمع اللغة العربية–
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]