دراسة: الرائحة الكريهة اختبار صامت للعلاقة الزوجية
في كثير من البيوت الزوجية، تختبئ مشكلات صغيرة خلف ستار الصمت والحرج، لكنها لا تبقى صغيرة طويلًا. من بين هذه القضايا، تبرز مسألة الرائحة الكريهة بين الزوجين بوصفها موضوعًا مسكوتًا عنه، لا لندرته بل لحساسيته؛ إذ تمس القرب الجسدي، والقبول، والراحة النفسية، وهي عناصر أساسية في استقرار العلاقة الزوجية.
قضية صامتة
زوجات يعانين من المشكلة يصفنها بأنها ليست تفصيلًا عابرًا، بل عاملًا يؤثر مباشرة في جودة القرب العاطفي. تقول إحدى الزوجات، التي تحتفظ «الوطن» باسمها، إن الرائحة لم تكن مجرد إزعاج حسي، بل هي سبب دفعها إلى تجنّب الجلوس أو النوم قرب زوجها رغم محبتها له، خوفًا من جرح مشاعره إن صارحته. زوجة أخرى ترى أن جوهر المشكلة لا يكمن في الرائحة نفسها بقدر ما يكمن في طريقة التعامل معها؛ فحين يكون الطرف الآخر متفهمًا ومتقبلًا للنصيحة، تُحل المسألة بسهولة، أما حين تُقابل بالإنكار أو السخرية، فإنها تتحول إلى جرح يومي صامت.
رواية زوج
في المقابل، يروي أحد الأزواج أن رائحة تصدر من زوجته أثناء العلاقة الحميمة دفعته إلى تفضيل النوم في غرفة أخرى، إلى أن قرر مصارحتها بالأمر. وبعد مراجعتها طبيبة نساء وولادة، تبيّن وجود سبب صحي، ومع علاجه تغيرت حياته الزوجية للأفضل، على حد وصفه.
تفسير اجتماعي
يوضح الأخصائي الاجتماعي عبد الرحمن ساري، أن هذه المشكلة شائعة أكثر مما يُتصوَّر، لكنها تُهمل غالبًا بدافع الحرج أو الخوف من إيذاء الطرف الآخر، ما يحوّلها من مسألة صحية أو سلوكية بسيطة إلى عبء نفسي يثقل العلاقة. ويشير إلى أن أسباب الرائحة متعددة، تشمل ضعف العناية بالنظافة الشخصية، التعرّق الزائد المرتبط بطبيعة العمل أو الطقس، بعض العادات الغذائية، فضلًا عن أسباب صحية مثل التهابات الفم والأسنان، اضطرابات الجهاز الهضمي، أو أمراض جلدية، وهي حالات تستدعي تدخلًا طبيًا.
صمت ضاغط
ترى المستشارة الأسرية مها الأحمدي أن الصمت حول هذه المشكلة لا يحمي العلاقة كما يظن البعض، بل يزيد من حدتها، إذ يعيش أحد الزوجين في ضيق مستمر بينما يجهل الآخر سبب التغير في المشاعر أو السلوك، مما يفتح الباب لتفسيرات خاطئة، ويؤدي تدريجيًا إلى تراجع العلاقة الحميمية والانسجام الأسري.
قراءة نفسية
يؤكد الأخصائي النفسي طلال الغامدي أن المسألة تمس منطقة حساسة في العلاقة الزوجية، لأنها ترتبط بالقبول الجسدي والشعور بالأمان. تجاهلها قد يحولها إلى نفور صامت ينعكس على التواصل والاحترام المتبادل. كما يشير إلى أن الرائحة قد تكون أحيانًا عرضًا لمشكلة أعمق، كالاكتئاب، الضغط النفسي، الإهمال الذاتي، أو حتى احتجاج غير واعٍ داخل العلاقة، ما يجعل اختزالها في «نظافة شخصية» فقط تبسيطًا مخلًا.
رأي مختصين
يجمع مختصون اجتماعيون على أن الرائحة الكريهة لا تعبّر بالضرورة عن قلة حب أو إهمال متعمد، بل هي في الغالب مسألة صحية أو سلوكية قابلة للعلاج، متى ما وُجد الحوار الواعي والاحترام المتبادل. فالعلاقات الزوجية الناجحة لا تُبنى على الكتمان، بل على القدرة على المصارحة دون إيذاء، وعلى الإصغاء دون دفاع، وعلى التعامل مع المشكلات بوصفها مشتركة لا شخصية.
نمط حياة
أما خبير التغذية ماهر أحمد فيربط بين نمط الحياة والصحة الجسدية، داعيًا إلى تبني تغذية متوازنة، والاهتمام بتهوية الملابس، واختيار الأقمشة القطنية، مؤكدًا أن الدعم المتبادل بين الزوجين عامل أساسي في تجاوز هذه الإشكالية دون آثار نفسية سلبية.
حلول عملية
يقترح المختصون لمعالجة هذه المشكلة:
أن يُطرح الموضوع بلغة احترام واهتمام لا بلغة اتهام.
أن يُربط الحديث بالصحة والراحة المشتركة لا بالانتقاد.
أن يكون كل طرف مستعدًا للاستماع بقدر استعداده للكلام.
مع تشجيع مراجعة مختص صحي أو نفسي في الحالات المتكررة أو غير المبررة.