بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي :آمنة محمد نصير سيرة عطاء وفكر تجديدي وموقف إنساني من قضية كوسوفا
تتناول هذه الدراسة السيرة العلمية والفكرية والإنسانية للأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير، بوصفها واحدة من الشخصيات النسائية البارزة في الفكر الإسلامي المعاصر، وتسلط الضوء على مسيرتها التي جمعت بين التكوين الأكاديمي الأزهري، والبحث في العقيدة والفلسفة الإسلامية، والدعوة إلى التجديد الفكري، والدفاع عن قضايا المرأة والأسرة، والمشاركة في الحياة العامة والبرلمانية، فضلًا عن حضورها في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والثقافية داخل مصر وخارجها. كما ترصد الدراسة امتداد تأثيرها من المجال الأكاديمي إلى المجالات الفكرية والإعلامية والثقافية والسياسية والدبلوماسية والإنسانية. وتشير المادة الأصلية إلى أن إنتاجها العلمي تجاوز خمسة وخمسين مؤلفًا وبحثًا في مجالات متعددة، وأنها أشرفت وناقشت أكثر من خمسين رسالة جامعية، وأسهمت في تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية، ومثلت نموذجًا للمرأة العالمة الفاعلة في المجال العام.
وتولي الدراسة عناية خاصة بموقف الدكتورة آمنة نصير من قضية كوسوفا، باعتبارها قضية إنسانية وإسلامية تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة إلى مجال الضمير والعدالة وحقوق الإنسان. وتبرز الدراسة اهتمامها بمعاناة الشعب الكوسوفي، ولا سيما النساء والأطفال، ومشاركتها في الفعاليات والندوات ذات الصلة، ودورها البرلماني والفكري والإعلامي في دعم القضية وتعزيز التعاون المصري–الكوسوفي. كما تتناول اللقاء والتعاون الفكري والإنساني بينها وبين البروفيسورالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، وما نتج عنه من تواصل وتشاور وتبادل للرؤى حول أوضاع كوسوفا ومستقبلها.
وتختتم الدراسة بإبراز القيمة الأدبية والرمزية لقصيدة "من كوسوفا إلى آمنة"، التي جاءت تعبيرًا عن الوفاء والتقدير، وحولت العلاقة العلمية والإنسانية بين الطرفين إلى صورة شعرية تجسد جسور التواصل بين مصر وكوسوفا. وتكشف القصيدة، وفق تحليلها الأدبي، عن ثنائية العلم والإنسانية، وتجعل من كوسوفا رمزًا للذاكرة والعدالة، ومن المرأة العالمة نموذجًا للعلم المرتبط بالمسؤولية، كما تجعل الشعر وسيلة لحفظ الذاكرة وتعزيز التواصل الحضاري بين الشعوب.
وتخلص الدراسة إلى أن تجربة الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير تقدم نموذجًا متكاملًا للمثقف والعالِم الذي لا يحصر رسالته في قاعات الجامعة، وإنما يحول المعرفة إلى موقف، والفكر إلى مسؤولية، والكلمة إلى وسيلة للدفاع عن الإنسان وحقوقه. ومن ثم تمثل علاقتها بقضية كوسوفا أحد الأبعاد المهمة في تجربتها الفكرية والإنسانية، كما تمثل نموذجًا للتواصل المصري–الكوسوفي القائم على العلم والثقافة والتضامن الإنساني.
الكلمات المفتاحية: آمنة محمد نصير؛ الفكر الإسلامي؛ التجديد الديني؛ المرأة؛ كوسوفا؛ مصر؛ الفكر الإنساني؛ الحوار الحضاري؛ الدبلوماسية البرلمانية؛ الشعر؛ بكر إسماعيل.
المقدمة
تحتل الشخصيات العلمية والفكرية المؤثرة مكانة خاصة في تاريخ المجتمعات؛ لأنها لا تكتفي بإنتاج المعرفة وتدريسها، وإنما تسهم في تشكيل الوعي العام، وإعادة قراءة الواقع، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال. وتزداد قيمة هذه الشخصيات حين تتجاوز رسالتها حدود التخصص الأكاديمي إلى المجال الإنساني والثقافي والاجتماعي والسياسي، فتتحول المعرفة من مادة نظرية إلى مسؤولية أخلاقية، ويصبح الفكر أداة للإصلاح والتنوير وخدمة الإنسان.
وفي هذا السياق تأتي تجربة الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير بوصفها تجربة علمية وفكرية وإنسانية متعددة الأبعاد. فقد بدأت رحلتها من بيئة صعيدية محافظة، وأصرت منذ طفولتها على مواصلة التعليم، ثم انتقلت إلى رحاب الدراسة الأكاديمية، حتى حصلت على الليسانس في العلوم الفلسفية والاجتماعية والنفسية، ثم الماجستير في الفلسفة الإسلامية، فالدكتوراه في العقيدة، لتواصل بعد ذلك مسيرتها العلمية في جامعة الأزهر، وتصل إلى درجة الأستاذية وتتولى عددًا من المسؤوليات الأكاديمية والإدارية.
ولم تتوقف مسيرتها عند حدود العمل الجامعي، بل امتدت إلى ميادين الفكر والتجديد الديني وقضايا المرأة والأسرة والحياة العامة. وقد عُرفت بجرأتها في طرح القضايا الفكرية والفقهية، وبمحاولتها إقامة علاقة متوازنة بين النص والعقل والواقع، كما امتد نشاطها إلى المؤتمرات الدولية والتدريس خارج مصر، والإشراف العلمي، وتطوير المناهج والمؤسسات التعليمية. وهو ما جعل تجربتها نموذجًا يجمع بين العالم الأكاديمي والمفكر والفاعل في المجال العام.
غير أن أهمية هذه الشخصية لا تقتصر على إنتاجها العلمي والفكري؛ إذ يكشف مسارها أيضًا عن حضور إنساني واضح في القضايا التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه. ومن أبرز هذه القضايا قضية كوسوفا، التي ارتبطت في الوعي الإسلامي والإنساني المعاصر بمآسي الحرب والتهجير وانتهاكات حقوق الإنسان، وبمعاناة النساء والأطفال على وجه الخصوص. وفي هذا السياق، تظهر الدكتورة آمنة نصير في الدراسة بوصفها شخصية علمية لم تفصل بين الفكر والموقف، ولا بين المعرفة والمسؤولية الإنسانية.
وتكتسب قضية كوسوفا في هذه الدراسة أهمية خاصة؛ لأنها تمثل المجال الذي التقت فيه شخصية الدكتورة آمنة نصير الفكرية والإنسانية مع تجربة البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، الذي حمل قضية بلاده في المجال العلمي والثقافي والإعلامي. وقد تحول اللقاء بين الطرفين إلى مساحة للحوار والتشاور حول أوضاع الشعب الكوسوفي، ولا سيما أوضاع النساء والأطفال، وإلى تعاون فكري وإنساني تجاوز حدود اللقاء الشخصي ليصبح جسرًا للتواصل بين مصر وكوسوفا.
ومن هنا لا تتناول هذه الدراسة قضية كوسوفا باعتبارها هامشًا في سيرة الدكتورة آمنة نصير، وإنما بوصفها أحد المواقف التي تكشف عن طبيعة رؤيتها للعلم والفكر والإنسان. فقد ظهر في موقفها أن التضامن مع المظلوم ليس مجرد عاطفة، وأن الدفاع عن الإنسان يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًا للرسالة العلمية والدينية والثقافية. كما تكشف تجربة اللقاء والتعاون عن قدرة الثقافة والعلم على بناء جسور بين الشعوب، حتى في ظل اختلاف الجغرافيا والتاريخ والظروف السياسية.
وتأتي إضافة قصيدة "من كوسوفا إلى آمنة" في نهاية هذه الدراسة لتمنح التجربة بعدًا أدبيًا ووجدانيًا. فالقصيدة ليست مجرد مديح لشخصية علمية، وإنما تمثل شهادة وفاء من كوسوفا إلى عالمة رأت في العلم مسؤولية، وفي الكلمة أمانة، وفي نصرة المظلوم واجبًا إنسانيًا. وهي بذلك تستكمل الجانب التوثيقي والتحليلي للدراسة بلغة الشعر والرمز والصورة، وتحول العلاقة الفكرية والإنسانية إلى ذاكرة أدبية قابلة للبقاء.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة شاملة لشخصية الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير، من خلال تتبع نشأتها وتكوينها العلمي ومسيرتها الأكاديمية والفكرية والعامة، وتحليل إسهاماتها في مجالات الفكر والدين والإعلام والثقافة والمرأة والسياسة، مع التركيز بصورة خاصة على موقفها من قضية كوسوفا وأبعاد ذلك الموقف الفكرية والإنسانية والإعلامية والثقافية والدبلوماسية والبرلمانية. كما تسعى إلى إبراز قيمة اللقاء والتعاون بينها وبين البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، وصولًا إلى قراءة القصيدة بوصفها وثيقة أدبية تجسد جسور المحبة والوفاء بين مصر وكوسوفا.
إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في أنها تقدم صورة للعالِم الذي لا يعيش بعيدًا عن قضايا عصره، وللمفكر الذي لا يحبس فكره داخل الكتب، وللمرأة العالمة التي تستطيع أن تجمع بين الرسالة الأكاديمية والحضور الإنساني. ومن هذه الزاوية تصبح سيرة آمنة نصير أكثر من سيرة شخصية؛ إنها نموذج لتفاعل العلم والفكر والضمير مع قضايا الإنسان، ونموذج كذلك لما يمكن أن تصنعه الثقافة من جسور بين الشعوب.
وتنطلق الدراسة، في جوهرها، من فكرة مركزية مفادها أن العلم الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى مسؤولية، وأن الفكر لا تكتمل قيمته إلا حين ينحاز إلى العدالة والإنسان، وأن الثقافة قادرة على أن تجعل من العلاقات الفردية جسورًا حضارية بين الأمم. وهو المعنى الذي تتوج به القصيدة في صورتها الرمزية، حين تجعل من مصر وكوسوفا فضاءين يلتقيان في العلم والوفاء والتضامن الإنساني.
الفصل الأول: النشأة والطفولة الصعبة - جذور الصعيد وتشكيل الوعي
ولدت الدكتورة آمنة محمد نصير في قرية "موشا" التابعة لمركز أسيوط، في قلب صعيد مصر، حيث تتشابك التقاليد العريقة مع تطلعات النهضة. نشأت في أسرة عريقة ذات وجاهة وثراء، حيث كان والدها الحاج محمد نصير كبير عائلة "آل نصير"، مما منحها منذ الصغر شعوراً بالعزة والانتماء، وشكل شخصيتها القوية المعتدة بنفسها.
كانت أول طفلة في قريتها تصر على إتمام تعليمها بعد السنوات الإلزامية، وقد واجهت في سبيل ذلك معارك عدة مع والدها الذي رفض في البداية استكمال تعليمها، قبل أن يتدخل مدير المدرسة في إقناعه، ثم وافق على التحاقها بالمدرسة الأمريكية في أسيوط، وهي من أكبر المؤسسات التبشيرية بالشرق الأوسط.
هذه النشأة الصعيدية الصعبة، التي وسمتها بعنوان "طفلة من الصعيد تصر على التعليم"، كانت الأساس الذي شكل شخصيتها المقاتلة، وجعلها نموذجاً يحتذى به لبنات قريتها وجيلها. فمنذ البداية، كان الصراع مع التقاليد حاضراً، لكنها استطاعت أن تمزج بين الانتماء للصعيد وقيمه وبين التطلع إلى العلم والمعرفة، قائلة: "أوعي تنسي يا آمنة إنك صعيدية وإنك من بيت نصير وتقلدي أي حد مش شبهنا"، وهذا الوعي الذاتي جعلها تهدف لأن تكون مصدر فخر وعزة.
الفصل الثاني: المسيرة التعليمية المزدوجة - بين الأزهر والتبشير
تميزت المسيرة التعليمية للدكتورة آمنة نصير بازدواجيتها الفريدة، حيث تلقت تعليمها الابتدائي والثانوي في "المدرسة الأمريكية" بأسيوط، وهي مؤسسة تبشيرية كبرى، فيما كانت التربية الإسلامية المحافظة تسود المنزل. عاشت مرحلة شد وجذب فكري بين هذين العالمين، وهو ما شكل وعيها النقدي والمنفتح في وقت مبكر.
في عام 1966م، نالت ليسانس الآداب في العلوم الفلسفية والاجتماعية والنفسية بتقدير جيد، لتواصل بعدها دراساتها العليا في الفلسفة الإسلامية. نالت درجة الماجستير بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1971م عن رسالتها "أبو الفرج بن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية"، ثم درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1979م عن رسالتها "الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة".
هذا المسار الأكاديمي يعكس عمقاً بحثياً استثنائياً، حيث جمعت بين دراسة اثنين من أبرز أعلام الفكر السلفي في التاريخ الإسلامي: ابن الجوزي الحنبلي العراقي، ومحمد بن عبد الوهاب نجم الجزيرة العربية، مما أكسبها فهماً عميقاً للمدرسة السلفية من مصادرها الأساسية، وهو ما جعلها مؤهلة لنقدها وتجديدها من الداخل وليس من الخارج.
الفصل الثالث: الحياة الأكاديمية والمهنية - من الأزهر إلى العالمية
تدرجت الدكتورة آمنة نصير في السلك الأكاديمي بجامعة الأزهر الشريف حتى نالت درجة الأستاذية في العقيدة والفلسفة، وتولت منصب عميدة كلية الدراسات الإنسانية للبنات بفرع جامعة الأزهر بالإسكندرية.
لم تقتصر مسيرتها على مصر، بل امتدت إلى العالمية، حيث عملت كأستاذة زائرة في جامعة ليدن بهولندا، وقامت بالتدريس في الأكاديمية الإسلامية بالنمسا، وساهمت في وضع المناهج العلمية بكليات التربية للبنات في المملكة العربية السعودية. هذا التنوع الجغرافي والمؤسسي منحها رؤية مقارنة واسعة، وجعلها قادرة على فهم قضايا الإسلام والمسلمين في سياقاتها المختلفة.
الفصل الرابع: الفكر والمعارك الفقهية - التجديد المستنير ونصرة المرأة
تُصنف الدكتورة آمنة نصير كواحدة من رائدات التجديد الديني المستنير والوسطية في العالم الإسلامي. تدعو دائماً لإعمال العقل بجانب النقل، وتؤمن بأن الدين لا يتعارض مع العقل بل يُكمله، وتشتهر بشجاعتها الفكرية ورغبتها في تجديد الخطاب الديني ليواكب متغيرات العصر.
تدافع بشدة عن حقوق المرأة وترفض الظلم المجتمعي ضدها، لكنها تشدد في الوقت نفسه على قدسية دور المرأة كأم وزوجة لبناء أسرة متماسكة، محذرة من أن المساس بهذه الأدوار يمثل هدماً للأسرة والمجتمع. وتنتقد بشدة التضييقات التي مورست على المرأة عبر العصور، مشيرة إلى أن بعض القضايا التي تدرس في المناهج الأزهرية كانت لعصور مضت ولم تراعِ مستجدات العصر.
الفصل الخامس: النشاط السياسي والعمل العام - من القاعة الأكاديمية إلى قبة البرلمان
خاضت الدكتورة آمنة نصير العمل السياسي بنجاح، وانتُخبت عضواً بمجلس النواب المصري عن دائرة الصعيد ضمن قائمة "في حب مصر" عام 2015. ونالت شرف ترؤس الجلسة الإجرائية الافتتاحية للبرلمان كونها كانت أكبر الأعضاء سناً، وهو اعتراف بمكانتها العلمية والاجتماعية.
كان لها في البرلمان صولات وجولات، حيث ناقشت قضايا مهمة كختان الإناث، وازدراء الأديان، وحقوق المرأة المطلقة، وساهمت في سن القوانين التي تساعد على استقرار الأسرة. كما شغلت عضوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وشاركت في إقرار وثائق حقوقية دولية تخص الأسرة، من أبرزها مؤتمر الطفل التابع للأمم المتحدة عام 2002.
الفصل السادس: المؤلفات والأبحاث المنشورة - إثراء المكتبة الإسلامية
أثرت الدكتورة آمنة نصير المكتبة الإسلامية بأكثر من 55 مؤلفاً وبحثاً في الفلسفة وقضايا المرأة والطفل والسياسة والثقافة. من أبرز مؤلفاتها:
في مجال العقيدة والتاريخ الفكري: كتبت عن أبي الفرج بن الجوزي، ومحمد بن عبد الوهاب، ودرست أضواء وحقائق عن البابية والبهائية والقاديانية، وأصدرت دراسات علمية في المسألة اليهودية، حيث تناولت مفهومي "الوعد والاختيار" لدى اليهود وكيف شكلوا عقيدتهم وسلوكهم على أساس الاعتقاد بأنهم "شعب الله المختار".
في قضايا المرأة: أصدرت كتاب "المرأة المسلمة بين عدل التشريع وواقع التطبيق"، ودراسات حول حقوق المرأة المسلمة بين الجمود الفكري والمفهوم الحضاري، ودور المرأة في التنمية، والتكوين العلمي والثقافي للمرأة في ظل الشريعة الإسلامية.
في التجديد الفكري: كتبت عن إنسانية الإنسان في الإسلام، ودور الأخلاق في بناء الإنسان، والمنهج الإسلامي المتوازن، والمفهوم الحضاري للإسلام في الحرب والسلام، ودور الأندلس في النهضة الأوروبية في ميدان الفلسفة.
الفصل السابع: الأنشطة العلمية والإدارية - بناء المؤسسات وتطوير المناهج
تولت الدكتورة آمنة نصير العديد من المناصب الإدارية والعلمية، مما يدل على خبرتها الواسعة وقدرتها على قيادة المؤسسات التعليمية وتطويرها:
- مشرفة عامة على الدراسات الإسلامية لغير خريجات الأزهر بالجامعة (1988-1990م).
- مشرفة على الدراسات الحرة للسيدات بجامع الأزهر في مجالات العقيدة والفكر الإسلامي.
- عضوة بقرار جمهوري في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
- عضوة في المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث الإسلامية.
- عضوة في الجمعية الفلسفية المصرية.
وقد قامت بتطوير وتنظيم كلية الدراسات الإسلامية والعربية - فرع الإسكندرية منذ عام 1990م حتى أصبحت نموذجاً فريداً بالجامعة، مما يشهد بكفاءتها الإدارية وقدرتها على التغيير المؤسسي.
الفصل الثامن: النشاط في المؤتمرات والمحاضرات العامة - سفيرة الفكر المستنير
تتمتع الدكتورة آمنة نصير بنشاط فكري دائب، يتجلى في مشاركتها الفاعلة في عشرات المؤتمرات داخل مصر وخارجها. شاركت في مؤتمر "الأندلس ملتقى عوالم ثلاث" عام 1992م في إسبانيا، وقدمت ورقة عن دور الفلسفة الإسلامية في اليقظة الأوروبية.
استجابت لدعوة الشيخة فاطمة حرم الشيخ زايد في الإمارات، وألقت محاضرات لمدة أسبوع في شهر رمضان، وقدمت عبر وسائل الإعلام العديد من التسجيلات التي لاقت استحساناً كبيراً، وقدمت آراء وحلولاً للمرأة الإماراتية. كما سافرت إلى النمسا أكثر من مرة للتدريس وحضور مؤتمر دراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين في أوروبا، وتقدمت بورقة حول تواصل الحضارات وضرورة تنميتها بين الأسرة البشرية.
ساهمت أيضاً في مؤتمر مع جامعة السويد "لاند" الذي عقد بالإسكندرية حول أهمية التعليم الديني في المؤسسة التربوية، وشاركت في المؤتمرات السنوية للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والمؤتمرات التي تعقد في جامعة الأزهر والمراكز الدولية، كما شاركت في الكتابة وتحرير حولية المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية.
شاركت في جميع الندوات والمعارض والمؤتمرات التي نظمت من أجل كوسوفا في مصر.
الفصل التاسع: المجال الأكاديمي - بناء الأجيال والإشراف العلمي
أشرفت الدكتورة آمنة نصير وناقشت ما يزيد على خمسين رسالة جامعية في مجال الفلسفة الإسلامية والعقيدة، في جامعة الأزهر، وجامعة عين شمس، وجامعة القاهرة، وكلية الآداب جامعة الإسكندرية، ومعهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وفي الدول العربية.
كما كانت عضواً في اللجان العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في مجال التخصص في لجان المجلس الأعلى للجامعات المصرية ولجان جامعة الأزهر.
قامت بمهمة علمية عام 1999 إلى جامعة ليدن بهولندا بتكليف من وزارة التعليم العالي وترشيح وزارة الخارجية، وكانت مهمتها بيان حقيقة الإسلام في بعض القضايا المثيرة للجدل، وناقشت ثلاثة رسائل علمية خلال إقامتها، وتركت بصمة واضحة أكدتها الجامعة في تقريرها لوزير التعليم العالي.
الفصل العاشر: الإسهامات الفكرية والكتابات الثقافية - تقييم الأثر الشامل
تمتد إسهامات الدكتورة آمنة نصير الفكرية إلى مجالات متعددة، مما يجعل أثرها يتجاوز التخصص الأكاديمي الضيق إلى مساحات أوسع في الحياة الثقافية والفكرية المصرية والعربية والإسلامية:
في الحياة الفكرية والدينية: قدمت نموذجاً نادراً للاجتهاد الفقهي والعقدي القائم على المعرفة العميقة بالمصادر، واستطاعت أن تمزج بين دراسة المدرسة السلفية من الداخل وبين الدعوة إلى التجديد والمراجعة النقدية. دعت إلى تفسير القرآن بلغة العصر ومواكبة المستجدات، واعتبرت أن هناك علماء يملكون الأدوات لذلك ولكنهم يترددون من هيبة النصوص. كما تناولت قضايا خطيرة كالماسونية والشيوعية والبابية والبهائية، وكشفت عن جذورها التاريخية ومخاطرها على عقيدة الشباب.
في الحياة الإعلامية: أثارت تصريحاتها الجريئة حول قضايا المرأة والزواج وغيرها جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام المصرية والعربية، مما جعلها حاضرة بقوة في النقاش العام. وقد طالب متابعون بزيادة استضافتها في وسائل الإعلام للاستفادة من علمها، ووصفها البعض بأنها "صوتٌ عاقل جمع بين العلم والدين والإنسانية".
في الحياة اللغوية والأدبية: تميزت مؤلفاتها باللغة الرصينة والأسلوب العلمي الهادئ، بعيداً عن التعصب والخيال، مع قدرة على التعبير عن القضايا المعقدة بأسلوب واضح مقنع. كتبت في مقدمات كتبها كلمات رائعة تنم عن ثقافة عالية وفكر مستنير، مما جعل كتاباتها ذات قيمة أدبية وفكرية.
في الحياة العلمية: تركت بصمة واضحة في جامعة الأزهر عبر تطوير المناهج، والإشراف على الرسائل العلمية، وترقية الأساتذة، وتنظيم الكليات، مما جعلها نموذجاً للأكاديمية القادرة على الجمع بين البحث والإدارة والتطوير.
في الحياة القانونية والسياسية والبرلمانية: أسهمت في سن القوانين التي تساعد على استقرار الأسرة، وناقشت قضايا مهمة كختان الإناث وازدراء الأديان وحقوق المرأة المطلقة، وشاركت في إقرار وثائق حقوقية دولية، مما يجعل أثرها ممتداً في المجال التشريعي والقانوني.
في الحياة الثقافية والدبلوماسية: مثلت مصر والإسلام في المحافل الدولية، ونقلت صورة الإسلام السمحة في هولندا والنمسا وإسبانيا والإمارات، وساهمت في الحوار بين الحضارات، مما جعلها سفيرة للفكر المستنير على المستوى العالمي.
في دور المرأة: كانت نموذجاً ملهمًا للمرأة المصرية والعربية، حيث كسرت الحواجز في مجتمع صعيدي محافظ، وأصبحت عميدة جامعة وأستاذة ونائبة برلمانية ومفكرة عالمية. دافعت عن حقوق المرأة مع التشديد على قدسية دورها الأسري، مما جعلها صوتاً معتدلاً يمثل مساراً وسطاً بين التطرف والإفراط.
الفصل الحادي عشر: الدور الفاعل للأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير في دعم قضية كوسوفا وانعكاساته المتعددة الأبعاد
تعد قضية كوسوفا واحدة من القضايا الإسلامية والإنسانية التي استوقفت المفكرين والعلماء في العالم، لما تعرضت له من عدوان وانتهاكات طالت الإنسان والمقدسات. وفي هذا السياق، برز دور الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير – بوصفها عالمة ومفكرة وعضوًا في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – كصوت ناطق باسم الضمير الإنساني، وكفاعل سياسي وبرلماني ودبلوماسي، لم يقتصر دورها على التنظير الأكاديمي، بل امتد إلى التحرك العملي والإعلامي والإغاثي، خدمةً للمظلومين في كوسوفا، وإبرازًا لمعاناة النساء والأطفال هناك، تأسيسًا على رؤيتها الإسلامية التي تدمج بين العلم والعمل، وبين الفكر والموقف.
دورها في خدمة قضية كوسوفا:
أولاً: وقفت الدكتورة آمنة نصير بحزم ضد العدوان الصربي على كوسوفا، فبادرت بالاتصالات والتحركات الفورية، وركزت اهتمامها على أوضاع النساء الكوسوفيات، وما تعرضن له من اغتصاب وتشريد، انطلاقًا من مبدأ التكافل الإسلامي القائل: "المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد"، فجعلت من قضيتهن محورًا رئيسًا في كتاباتها ومحاضراتها.
ثانيًا: حملت كتاباتها صرخة تحذيرية للأمة الإسلامية من الانزلاق نحو التيارات المنحرفة، ودعت إلى حماية النساء في السلم والحرب، وناضلت من أجل إرساء قواعد عادلة تحفظ كرامتهن، متخذة من البحث العلمي والتحليل العميق وسيلة لإبراز الأبعاد الإنسانية للصراع.
ثالثًا: كان لها دور برلماني بارز من خلال مجلس النواب المصري، حيث عملت على تعزيز التعاون مع جمهورية كوسوفا في شتى المجالات، وحرصت على حضور الندوات والمناسبات الخاصة بكوسوفا، والاستجابة الفورية لدعوات البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوقي، مما جعلها حاضرًا دائمًا في الفعاليات الداعمة للقضية.
تقييم الأثر على مختلف المجالات:
1. الأثر الفكري: أسهمت الدكتورة آمنة نصير في ترسيخ مفهوم الأمة الواحدة، وربط القضايا المحلية بالقضايا العالمية، وقدّمت نموذجًا في الاجتهاد السياسي الإسلامي المعاصر القائم على الموازنة بين الثوابت والمتغيرات.
2. الأثر الأدبي: تميزت كتابتها بالبلاغة والتعبير العاطفي المؤثر، مما جعل نصوصها تحمل طابعًا أدبيًا يخاطب الوجدان، وتستحث المشاعر الإنسانية نحو نصرة المظلومين.
3. الأثر الإعلامي: ساهمت في تغطية قضية كوسوفا إعلاميًا من خلال المشاركات والندوات، وكسرت حاجز الصمت عن جرائم الحرب، وقدّمت رؤية إعلامية داعمة للحقوق الإنسانية بعيدًا عن الانحياز السياسي الضيق.
4. دور المرأة: جعلت من قضية المرأة الكوسوفية محورًا أساسيًا، وأكدت على ضرورة حماية النساء في النزاعات المسلحة، وطالبت بإدماجهن في جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، مما أبرز نموذج المرأة المفكرة والمقاتلة بقلمها وفكرها.
5. الأثر الثقافي والديني: ربطت بين الهوية الإسلامية والقيم الكونية من عدل وسلام، ودعت إلى ثقافة التسامح ونبذ العنصرية، وقدّمت القراءة الدينية الوسطية التي ترفض التطرف وتدعم التعايش.
6. الأثر العلمي: أنتجت بحوثًا رصينة حللت فيها الصراع من زوايا اجتماعية وقانونية وسياسية، مما أضاف إلى المكتبة الإسلامية مرجعيات علمية حول قضايا الأقليات المسلمة وحروب التطهير العرقي.
7. الأثر التاريخي: سجلت قضية كوسوفا في وعي الأجيال، وصانت الذاكرة من النسيان، وأرخت للظلم الواقع على المسلمين، مع التأكيد على ضرورة استخلاص العبر من التاريخ.
8. الأثر السياسي والدبلوماسي: مارست دبلوماسية علمية وبرلمانية، وساهمت في بناء جسور التعاون المصري – الكوسوفي، وعملت على الدفع نحو الاعتراف بحقوق كوسوفا في المحافل الدولية.
9. الأثر البرلماني: كان حضورها في البرلمان المصري داعمًا قويًا لقضايا كوسوفا، من خلال المطالبات الرسمية، والمشاركة في اللجان، والتنسيق مع البرلمانيين الكوسوفيين، مما أعطى البعد السياسي للقضية شرعية برلمانية مصرية.
أخيرا نقول: إن الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير تمثل نموذجًا فريدًا للعالمة الموسوعية التي جمعت بين الرسالة الأكاديمية والالتزام الإنساني والقضية الوطنية والأخلاقية. لقد جعلت من كوسوفا محطةً في مسيرتها العلمية والنضالية، وأثبتت أن القلم يمكن أن يكون سلاحًا، وأن المنبر يمكن أن يكون معبرًا، وأن الدبلوماسية البرلمانية يمكن أن تكون رافدًا للعدالة. بهذا المنهج المتكامل، تظل قضية كوسوفا حاضرة في وجدان الأمة، ويظل دورها علامة مضيئة في تاريخ النضال الإسلامي المعاصر.
الفصل الثاني عشر: لقاء البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بالأستاذة الدكتورة آمنة نصير
رؤية إنسانية وفكرية لقضية كوسوفا
تأتي اللقاءات الفكرية بين كبار المفكرين والمفكرات لتشكل محطات مضيئة في تاريخ الأمم، خاصة حين تتقاطع القضايا الإنسانية مع هموم الأمة الإسلامية. ومن بين هذه اللقاءات المباركة، ذلك اللقاء الذي جمع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي – الباحث والمفكر المعني بقضية بلاده – بالأستاذة الدكتورة آمنة نصير، المفكرة الإسلامية البارزة، التي تمثل نموذجًا رائدًا للمرأة المسلمة المثقفة المؤثرة في مجتمعها وأمتها.
في هذا التقرير الشامل، نستعرض تفاصيل هذا اللقاء، ونقيّم آثاره المتعددة على المستويات الفكرية، الإعلامية، اللغوية، الأدبية، العلمية، والدينية، كما نسلط الضوء على الدور المحوري للمرأة في هذا السياق، وأثر اللقاء في المجالات الثقافية والدبلوماسية والسياسية والبرلمانية، وصولًا إلى خدمة قضية كوسوفا العادلة.
المبحث الأول: ملامح الشخصية وبداية الاهتمام
شخصية الدكتورة آمنة نصير هي إحدى الشخصيات النسائية البارزة في مجال الفكر الإسلامي، وقد كان أول لقاء للدكتور الكوسوفي بها عبر شاشة التلفزيون، حيث لفتت انتباهه رؤاها العميقة وأسلوبها الرصين. ثم تابع فكرها وثقافتها من خلال كتاباتها الصحافية والمجلات، تلك الخواطر الرائعة التي كانت تسجلها بقلم فيّاض، تعكس وعيًا إسلاميًا معاصرًا، وقدرة على معالجة القضايا الكبرى برؤية متزنة.
المبحث الثاني: فصول اللقاء وتبادل الرؤى
عندما التقى بها الدكتور الكوسوفي، شرح لها الأوضاع المأساوية التي يعيشها شعب كوسوفا، وما تعرض له من مذابح وأهوال، وزارودها ببعض الكتب والوثائق التي تتحدث عن كوسوفا، لتكون على دراية كاملة بالقضية.
وكانت استجابتها فورية وحازمة، إذ أبدت رغبة أكيدة في بذل أقصى ما في وسعها لدعم القضية بكل الوسائل المتاحة. كما خصصت جانبًا مهمًا من حديثها عن المرأة الكوسوفية، متسائلة بعناية: كيف تعيش؟ كيف تربّي أبناءها في خضم المذابح؟ كيف يمكن مساندتها في تلك الظروف الوحشية؟
وهذا يدل على حساسيتها المرهفة تجاه قضايا المرأة، وانطلاقها من رؤية إسلامية تحترم كرامة الإنسان في كل مكان.
المبحث الثالث: الإنجازات والجهود المبذولة
قامت هذه المفكرة الجليلة بجهود بناءة في خدمة قضية كوسوفا، حيث حققت إنجازات متعددة، من بينها:
- التوعية المستمرة بالقضية في المحافل الفكرية والإعلامية.
- المشاركة في الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية.
- المساهمة في الضغط الدبلوماسي والسياسي من خلال منابرها الأكاديمية والإعلامية.
- التواصل مع البرلمانات والمنظمات الحقوقية لإيصال صوت كوسوفا إلى العالم.
- لم تضن بجهدٍ ولا وقتٍ ولا مال في سبيل ذلك، بل عملت بدأب وهمة ونشاط منقطع النظير.
وقد كانت تلتقي بالدكتور الكوسوفي وأولاده في منزلها ومكتبها للتشاور حول آخر التطورات، مما يعكس شراكة حقيقية على المستوى الإنساني والأسري.
المبحث الرابع التقييم الشامل لأثر اللقاء على المستويات المختلفة:
1. الأثر الفكري:
فتح اللقاء آفاقًا جديدة لفهم قضية كوسوفا كقضية إسلامية وإنسانية، وساهم في بناء خطاب فكري يستند إلى العدالة وحقوق الإنسان، كما عزز حضور المرأة كصانعة فكر ورأي في القضايا المصيرية.
2. الأثر الإعلامي:
ساهمت الدكتورة آمنة نصير في تغطية القضية إعلاميًا من خلال مقالاتها، وظهورها الإعلامي، مما ساعد في كشف الممارسات الوحشية ضد الشعب الكوسوفي، وتحريك الرأي العام العربي والإسلامي.
3. الأثر اللغوي والأدبي:
أبدعت في صياغة خطاب أدبي راقٍ يخدم القضية، باستخدام لغة عربية فصيحة تحمل مشاعر إنسانية عميقة، مما جعل النصوص المؤثرة عنها تنتشر وتؤثر في القراء.
4. الأثر العلمي والأكاديمي:
أثمر اللقاء عن أبحاث ودراسات حول كوسوفا، واهتمام أكاديمي بقضايا البلقان، وربما أسهم في توجيه طلاب الدراسات العليا نحو دراسة تلك المنطقة، وإنتاج معرفة علمية رصينة حولها.
5. الأثر الديني:
ربطت القضية بالقيم الإسلامية في النصرة والمؤازرة، وشددت على واجب التضامن الإسلامي، مما أعطى بُعدًا شرعيًا وأخلاقيًا لدعم كوسوفا.
6. دور المرأة ودورها الثقافي:
برزت مكانة المرأة كفاعل ثقافي ومجتمعي، حيث أظهر اللقاء أن المرأة المسلمة قادرة على حمل هموم أمتها، والتفاعل مع قضايا المرأة في مناطق النزاع، مما يعزز حضورها في المشهد الثقافي العالمي.
7. الأثر الدبلوماسي والسياسي والبرلماني:
من خلال اتصالاتها وعلاقاتها، ساعدت في نقل القضية إلى الأوساط الدبلوماسية، ودفع البرلمانات إلى إصدار بيانات وتوصيات تدعم حقوق الشعب الكوسوفي، مما أسهم في تحقيق إنجازات سياسية ملموسة.
أخيرانقول: لقاء البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بالدكتورة آمنة نصير يمثل نموذجًا فريدًا في كيفية توظيف الفكر والثقافة والإعلام والدبلوماسية في خدمة قضايا الأمة. لقد تجاوز هذا اللقاء كونه مجرد تبادل معلومات، ليصبح شراكة إنسانية وفكرية أثرت في مجالات متعددة، وأسهمت في إيصال صوت مظلومية شعب كوسوفا إلى العالم، كما أثبت أن المرأة المسلمة قادرة على حمل لواء النضال الفكري والسياسي إلى جانب الرجل، بل وبتفوق وإبداع.
وتظل هذه التجربة درسًا في العمل الجماعي، والتضامن الإسلامي، ودور المثقفين والمفكرين في قضايا أمتهم، سائلين الله أن يوفق الجميع لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
الفصل الثالث عشر: قصيدة وفاء من كوسوفا إلى الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير
أنشودة العلم والإنسانية ونصرة المظلوم
ليست القصيدة في حياة العلماء والمفكرين مجرد تعبير عاطفي عابر، وإنما قد تتحول إلى وثيقة أدبية تحفظ أثر الإنسان في وجدان من عرفه، وتعيد صياغة التجربة العلمية والإنسانية في لغة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ومن هذا المنطلق تأتي هذه القصيدة التي يقدّمها البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي إلى الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير، تعبيرًا عن الوفاء والتقدير والامتنان لما مثّلته من حضور علمي وفكري وإنساني، وما أبدته من اهتمام بقضية كوسوفا وشعبها.
لقد كشفت التجربة المشتركة بينهما أن القضايا الكبرى لا تعيش بالسياسة وحدها، ولا بالخطاب الأكاديمي وحده، وإنما تحتاج إلى ضمير إنساني قادر على تحويل المعرفة إلى موقف، والفكر إلى رسالة، والكلمة إلى وسيلة لنصرة المظلوم. وقد برز هذا المعنى بوضوح في موقف الدكتورة آمنة نصير من قضية كوسوفا، واهتمامها بمعاناة الشعب الكوسوفي، ولا سيما النساء والأطفال، ومشاركتها في الندوات والفعاليات ذات الصلة بالقضية، فضلًا عن حضورها في المجال البرلماني والفكري والإعلامي.
ومن هنا فإن القصيدة لا تُقدَّم بوصفها مدحًا شخصيًا فحسب، بل بوصفها شهادة وفاء من كوسوفا إلى شخصية علمية رأت في نصرة الإنسان واجبًا أخلاقيًا، وفي العلم مسؤولية، وفي الكلمة أمانة.
ومن هنا جاءت القصيدة لبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بعنوان:
قصيدة: "من كوسوفا إلى آمنة"
يا آمنةَ العلمِ، يا فجرًا على أُفُقٍ
أضاءَ دربَ الهدى بالعلمِ والحِكَمِ
من أرضِ كوسوفا أتيتُ اليومَ أحملُها
شكرًا يفيضُ على الآفاقِ من قَلَمِي
أرضٌ عرفتْ من ليالي الظلمِ نازلةً
لكنَّها لم تُسَلِّمْ رايةَ الشِّيَمِ
فيها بكتْ أمُّ طفلٍ وهي صابرةٌ
وفي ثراها حكايا العزِّ والألَمِ
فكنتِ صوتَ ضميرٍ حينَ أخرسَنا
صمتُ المواقفِ في زمنٍ من الظُّلَمِ
وحينَ نادى جريحُ الحقِّ في بلدي
وجدتُ عندكِ قلبَ الأمِّ في الشِّيَمِ
سألتِ عن نسوةٍ في الحربِ قد فَقَدوا
أمنَ البيوتِ، وعن أطفالِهم، وأمَمِ
وكيفَ تحيا نساءُ الشعبِ في محنٍ
وكيفَ يُحمى صغيرٌ خائفُ القَدَمِ؟
فلم يكنْ سؤلُكِ الملهوفُ عاطفةً
بل كانَ موقفَ أهلِ العلمِ والقِيَمِ
حملتِ همَّ كوسوفا في محافلِها
وبحتِ بالحقِّ لا خوفًا من النُّظُمِ
وفي المنابرِ كان الصوتُ منطلقًا
يُحيي ضميرَ أناسٍ غارقينَ عمى
يا ابنةَ مصرَ، ويا رمزًا لمفكرةٍ
جمعتِ بينَ صفاءِ الروحِ والعِلْمِ
من الأزاهرِ إلى آفاقِ معرفَةٍ
سافرتِ تحملينَ النورَ للأُمَمِ
فالعلمُ عندكِ ليسَ الحفظَ منفردًا
بل مسؤوليةُ الإنسانِ في القِيَمِ
والفكرُ عندكِ ليسَ الجدلَ منفصلًا
عن واقعِ الناسِ، عن آلامِهم، عن هِمَمِ
رأيتُ فيكِ اعتزازَ العلمِ في شَمَمٍ
ورأيتُ فيكِ تواضعَ العالِمِ الفَهِمِ
يا آمنةَ الفكرِ، يا صوتًا له أثرٌ
في العقلِ والروحِ، في الأخلاقِ والهِمَمِ
من كوسوفا إليكِ اليومَ أغنيةٌ
وفاءُ قلبٍ، وإكبارٌ من القَلَمِ
إن كانَ بيني وبينَ الفكرِ معرفةٌ
فأنتِ فيها مثالُ الصدقِ والهِمَمِ
وإن ذكرتُ كوسوفا في قصائدي
فاسمُكِ اليومَ في تاريخِها عَلَمِ
ستشهدُ الأرضُ أنَّ العلمَ يجمعُنا
وأنَّ إنصافَ إنسانٍ من الشِّيَمِ
وأنَّ مصرَ وكوسوفا في مودتهِما
جسرٌ من الفكرِ، لا يُبنى من الوَهَمِ
فسلامُ مصرَ إلى أرضِ كوسوفا، وفي
أرضِ كوسوفا سلامُ القلبِ للأُمَمِ
يا آمنةَ العلمِ، إنَّ الشكرَ يعجزُ أنْ
يوفيكِ بعضَ الذي أوليتِ من نِعَمِ
تبقينَ في الذاكرةِ البيضاءِ أغنيةً
من الوفاءِ، ومن فكرٍ ومن شِيَمِ
التحليل الأدبي للقصيدة
أولًا: البنية الدلالية
تقوم القصيدة على محور رئيس يتمثل في الوفاء العلمي والإنساني، إذ ينتقل الشاعر من الإشادة بالمكانة العلمية والفكرية للدكتورة آمنة نصير إلى استحضار موقفها من قضية كوسوفا، ثم ينتهي إلى بناء جسر رمزي بين مصر وكوسوفا.
وهذا البناء يتوافق مع الصورة التي يرسمها المقال لشخصيتها؛ فهي عالمة أكاديمية، ومفكرة، وفاعلة في المجال العام، كما ارتبط حضورها بقضية كوسوفا من خلال المواقف الفكرية والإعلامية والبرلمانية.
فالقصيدة لا تجعل "آمنة" موضوعًا للمديح الفردي فقط، وإنما تجعلها رمزًا للعلم الذي يتحول إلى موقف، وللفكر الذي يتحول إلى مسؤولية إنسانية.
ثانيًا: ثنائية العلم والإنسانية
من أبرز الثنائيات الفنية في القصيدة:
العلم / الإنسانية
فالشاعر لا يفصل بين العالم والإنسان، ولا بين المعرفة والمسؤولية الأخلاقية. ولذلك يقول:
"فالعلمُ عندكِ ليسَ الحفظَ منفردًا
بل مسؤوليةُ الإنسانِ في القِيَمِ"
وهذه العبارة تمثل المفتاح الفكري للقصيدة كلها؛ لأن قيمة العلم، في رؤية الشاعر، لا تقاس بكثرة المؤلفات والمناصب وحدها، وإنما بما يتركه من أثر في الإنسان والمجتمع.
وهذا المعنى تؤكده المادة الأصلية للمقال التي تصف إسهامات الدكتورة آمنة نصير بأنها تجاوزت المجال الأكاديمي الضيق إلى المجالات الفكرية والإعلامية والثقافية والسياسية والإنسانية.
ثالثًا: كوسوفا بوصفها رمزًا للذاكرة والعدالة
تحضر كوسوفا في القصيدة على مستويين:
الأول: مستوى جغرافي وتاريخي، بوصفها وطنًا عانى من الحرب والمأساة.
والثاني: مستوى رمزي، إذ تصبح كوسوفا رمزًا للإنسان المظلوم الذي يبحث عن صوت عادل ينقل معاناته إلى العالم.
ولهذا يستدعي الشاعر صورة الأم الكوسوفية والطفل والمرأة، وهي صور إنسانية تتجاوز الحدود السياسية والقومية، لتصبح المأساة الكوسوفية قضية إنسانية عامة.
وهذا متسق مع ما يورده المقال عن اهتمام الدكتورة آمنة نصير بالمرأة الكوسوفية وأوضاعها أثناء الحرب، وتساؤلها عن حياتها وأطفالها وكيفية مساندتها في الظروف القاسية.
رابعًا: صورة المرأة العالمة
تقدم القصيدة الدكتورة آمنة نصير في صورة مركبة تجمع بين:
• العالمة الأكاديمية.
• المفكرة الإسلامية.
• المرأة صاحبة الموقف.
• المدافعة عن المظلوم.
• الجسر الثقافي بين الشعوب.
• الصوت الذي يربط المعرفة بالمسؤولية.
وهذه الصورة تتجاوز النمط التقليدي في شعر المديح؛ فالشاعر لا يكتفي بتعداد المناقب، وإنما يحاول تفسير القيمة الحضارية لهذه الشخصية.
ومن ثم فإن المرأة في القصيدة ليست موضوعًا للثناء، وإنما فاعلًا تاريخيًا وفكريًا قادرًا على التأثير في المجتمع وقضاياه الكبرى.
خامسًا: الرمز في القصيدة
اعتمد الشاعر على عدد من الرموز المركزية، أبرزها:
الفجر: رمز النور والهداية وبداية الأمل.
القلم: رمز العلم والشهادة والتوثيق.
الصوت: رمز الدفاع عن المظلوم وإخراج القضية من دائرة الصمت.
الجسر: رمز التواصل بين مصر وكوسوفا.
الأرض: رمز الذاكرة والهوية والانتماء.
ومن أجمل هذه الرموز قول الشاعر:
«وأنَّ مصرَ وكوسوفا في مودتهِما
جسرٌ من الفكرِ، لا يُبنى من الوَهَمِ»
فالجسر هنا ليس جسرًا ماديًا، وإنما هو جسر ثقافي وإنساني أقامته المعرفة والاحترام والتعاون.
سادسًا: الصورة الشعرية
تقوم الصور الشعرية على الجمع بين الصور الحسية والمعنوية. ففي قوله:
«يا آمنةَ العلمِ، يا فجرًا على أُفُقٍ
أضاءَ دربَ الهدى بالعلمِ والحِكَمِ»
تتحول الشخصية إلى «فجر»، ويتحول العلم إلى نور، ويتحول الطريق إلى مسار للهدى. وهذه الاستعارة تجعل المعرفة شيئًا مرئيًا ومضيئًا.
وفي قوله:
"فكنتِ صوتَ ضميرٍ حينَ أخرسَنا
صمتُ المواقفِ في زمنٍ من الظُّلَمِ"
يتحول «الضمير» إلى صوت، بينما يتحول الصمت إلى قوة قادرة على إسكات الآخرين. وهذه مقابلة دلالية بين الصوت والصمت، وبين الضمير والظلم.
سابعًا: الإيقاع والموسيقى
جاءت القصيدة في بناء عمودي ذي قافية موحدة تقريبًا، وهو ما يمنحها طابعًا احتفائيًا يناسب مقام التكريم والوفاء.
كما تتكرر ألفاظ ذات موسيقى معنوية واضحة، مثل:
العلم، القلم، القيم، الهمم، الأمم، الألم، الشيم.
وهذه الكلمات لا تؤدي وظيفة موسيقية فقط، وإنما تشكل أيضًا الحقل الدلالي للقصيدة، حيث تلتقي مفاهيم العلم والأخلاق والإنسانية والوفاء.
ثامنًا: البعد العاطفي
العاطفة في القصيدة عاطفة وفاء وامتنان، وليست عاطفة مديح تقليدي. ويظهر ذلك في انتقال الشاعر من ضمير المخاطب إلى الحديث عن كوسوفا، ثم العودة إلى المخاطبة المباشرة.
ويمنح هذا الأسلوب القصيدة صدقًا وجدانيًا، لأن الشاعر لا يتحدث عن شخصية بعيدة عنه، بل عن تجربة إنسانية وفكرية نشأت من لقاء وتعاون وتبادل في الرؤى حول قضية كوسوفا.
ويؤكد المقال أن هذا اللقاء تجاوز مجرد تبادل المعلومات ليصبح شراكة إنسانية وفكرية، وأن اللقاءات شملت التشاور حول تطورات القضية، كما امتد التواصل إلى الأسرة والمحيط الاجتماعي.
تاسعًا: البعد الحواري بين مصر وكوسوفا
من أهم مستويات القصيدة أنها لا تقدم العلاقة بوصفها علاقة بين شخصين فحسب، بل تجعلها حوارًا حضاريًا بين بلدين.
فمصر تمثل في القصيدة فضاء العلم والأزهر والفكر العربي والإسلامي، بينما تمثل كوسوفا فضاء المعاناة والصمود والذاكرة. ومن خلال اللقاء بين الشخصيتين ينشأ فضاء ثالث هو فضاء التضامن الإنساني.
وهذا يمنح القصيدة قيمة تتجاوز الجانب الأدبي إلى الجانب الثقافي والدبلوماسي، لأنها تصور المعرفة والثقافة باعتبارهما وسيلتين لبناء جسور الشعوب.
عاشرًا: القيمة الأدبية والفكرية للقصيدة
يمكن النظر إلى هذه القصيدة باعتبارها نصًا أدبيًا توثيقيًا يجمع بين الشعر والذاكرة والسيرة الفكرية. فهي لا تكتفي بتسجيل مشاعر الشاعر تجاه شخصية علمية، بل تحفظ في الوقت نفسه صورة من صور التواصل المصري–الكوسوفي حول قضية إنسانية.
ومن هنا يمكن أن تؤدي القصيدة وظيفة مزدوجة داخل المقال:
1. وظيفة أدبية: إضفاء البعد الجمالي والوجداني على الدراسة.
2. وظيفة توثيقية: تسجيل مشاعر صاحب الدراسة تجاه شخصية كان لها حضور في قضية كوسوفا.
3. وظيفة إنسانية: إبراز قيمة التضامن مع المظلوم.
4. وظيفة فكرية: التأكيد على أن العلم الحقيقي يقترن بالمسؤولية.
5. وظيفة ثقافية: تعزيز جسور التواصل بين مصر وكوسوفا.
6. وظيفة دبلوماسية رمزية: تحويل الصداقة والتعاون الفكري إلى جسر بين شعبين.
باختصار، نقول إن قصيدة "من كوسوفا إلى آمنة" ليست مجرد نص شعري أُضيف إلى الدراسة للتزيين الأدبي، وإنما تمثل امتدادًا وجدانيًا وفكريًا لما سبقها من فصول. فقد كشفت الفصول السابقة عن مكانة الدكتورة آمنة محمد نصير العلمية والفكرية، وعن إسهاماتها المتعددة، ثم خصصت فصلًا لدورها في دعم قضية كوسوفا، وفصلًا آخر للقاءاتها وتعاونها مع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي.
وتأتي القصيدة لتمنح هذه العلاقة لغتها الأدبية الخاصة؛ لغة الوفاء والاعتراف بالجميل، ولتقول إن العلاقات العلمية الصادقة يمكن أن تتحول إلى جسور حضارية بين الشعوب.
ومن كوسوفا، التي حملت في ذاكرتها جراح الحرب وأحلام السلام، يوجّه الشاعر تحية تقدير إلى عالمة مصرية جعلت من العلم رسالة، ومن الفكر موقفًا، ومن الكلمة وسيلة لنصرة الإنسان.
وهكذا يصبح القلم جسرًا بين كوسوفا ومصر، والشعر ذاكرةً للوفاء، والعلم رسالةً تتجاوز الحدود.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير تمثل نموذجًا متميزًا للعالمة والمفكرة التي استطاعت أن تجمع بين أصالة التكوين العلمي، وجرأة الفكر، والانفتاح على قضايا العصر، والحضور الفاعل في الحياة العامة. فقد انتقلت تجربتها من بيئة صعيدية شكلت وعيها المبكر إلى فضاء أكاديمي واسع في جامعة الأزهر، ثم إلى ميادين الفكر والإعلام والمؤتمرات الدولية والعمل البرلماني والثقافي، لتصبح تجربتها شاهدًا على قدرة العلم على تجاوز الحدود المؤسسية والجغرافية.
وقد أظهرت الدراسة أن التجديد في فكر آمنة نصير لم يكن انفصالًا عن التراث، وإنما محاولة لقراءته في ضوء حاجات الواقع ومتغيرات العصر. كما كشفت عن اهتمامها بقضايا المرأة والأسرة والإنسان، وعن سعيها إلى تحقيق التوازن بين الثوابت الدينية والمتغيرات الاجتماعية والفكرية. ومن ثم فإن أثرها لا يقاس بعدد المؤلفات والمناصب فحسب، بل بما أحدثته من حضور في النقاش الفكري والثقافي والإعلامي، وما تركته من أثر في الأجيال التي أشرفت عليها ودرّست لها.
أما قضية كوسوفا، فقد كشفت عن الجانب الإنساني والعملي في تجربتها الفكرية. فقد تحولت القضية في وجدانها من موضوع سياسي بعيد إلى قضية إنسانية تمس كرامة الإنسان، ولا سيما المرأة والطفل. وقد انعكس ذلك في اهتمامها بأوضاع النساء الكوسوفيات، وفي مشاركتها في الفعاليات والندوات، وفي حضور القضية في نشاطها الفكري والإعلامي والبرلماني، بما جعل كوسوفا جزءًا من مساحة أوسع في رؤيتها للعدالة والتضامن الإنساني.
كما أبرزت الدراسة أن اللقاء بين البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والأستاذة الدكتورة آمنة نصير لم يكن لقاءً عابرًا بين باحث ومفكرة، وإنما تطور إلى علاقة فكرية وإنسانية قامت على الحوار والتشاور وتبادل الرؤى حول قضية كوسوفا. وقد أسهم هذا التواصل في نقل القضية إلى فضاءات فكرية وإعلامية وبرلمانية أوسع، وأظهر الدور الذي يستطيع المثقف والعالم أن يؤديه في الدفاع عن القضايا العادلة.
وجاءت قصيدة "من كوسوفا إلى آمنة" لتكون خاتمة وجدانية وفكرية لهذا المسار؛ فهي لا تضيف إلى الدراسة جمالًا أدبيًا فحسب، وإنما تختصر فلسفة العلاقة كلها في صورة رمزية تجعل من العلم نورًا، ومن القلم شهادة، ومن الصوت دفاعًا عن المظلوم، ومن الجسر رمزًا للتواصل بين مصر وكوسوفا. وقد أكدت القراءة الأدبية للقصيدة أنها تتجاوز المديح التقليدي لتقدم صورة للمرأة العالمة بوصفها فاعلًا تاريخيًا وفكريًا وإنسانيًا.
ومن الناحية الأدبية، نجحت القصيدة في تحويل الذاكرة الكوسوفية إلى ذاكرة إنسانية مشتركة؛ فالأم والطفل والمرأة والأرض ليست مجرد عناصر وصفية، وإنما رموز للمعاناة والصمود والكرامة. ومن الناحية الثقافية، أسهمت في تحويل العلاقة بين شخصية مصرية علمية وشخصية كوسوفية فكرية إلى صورة أوسع للحوار الحضاري. ومن الناحية الإنسانية، أكدت أن التضامن مع المظلوم يمكن أن يصبح لغة مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
وبذلك يمكن القول إن تجربة الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير، كما تقدمها هذه الدراسة، تؤكد أن العلم حين يقترن بالضمير يصبح رسالة، والفكر حين يقترن بالمسؤولية يصبح موقفًا، والثقافة حين تقترن بالإنسانية تصبح جسرًا بين الشعوب. وهذا هو المعنى الأعمق الذي يجمع بين سيرتها العلمية والفكرية وموقفها من قضية كوسوفا والقصيدة التي جاءت من كوسوفا وفاءً وتقديرًا.
وتؤكد الدراسة كذلك أن العلاقة بين مصر وكوسوفا لا يمكن اختزالها في العلاقات السياسية الرسمية وحدها، وإنما تمتد إلى المجال العلمي والثقافي والفكري والإنساني. وقد مثلت تجربة آمنة نصير وبكر إسماعيل نموذجًا لهذا النوع من التواصل، حيث استطاع الفكر والعلم والأدب أن تؤدي أدوارًا تتجاوز السياسة، وأن تبني جسورًا قائمة على الاحترام والتضامن والوفاء.
وفي ضوء ذلك، فإن القيمة التاريخية لهذه الدراسة تتمثل في توثيق جانب من جوانب التواصل المصري–الكوسوفي، وحفظ ذاكرة شخصية علمية مصرية كان لها حضور في قضية كوسوفا، إلى جانب إبراز تجربة إنسانية تؤكد أن القضايا العادلة تحتاج إلى أصوات العلماء والمفكرين والإعلاميين والمثقفين، كما تحتاج إلى المؤسسات السياسية والبرلمانية والدبلوماسية.
وإذا كانت الحرب قد تركت في ذاكرة كوسوفا جراحًا عميقة، فإن مثل هذه العلاقات العلمية والإنسانية تفتح في الذاكرة نفسها نوافذ للأمل والسلام. ومن هنا تبقى "من كوسوفا إلى آمنة" أكثر من قصيدة وفاء؛ إنها رمز لعلاقة فكرية وإنسانية، ولجسر ثقافي بين شعبين، ولرسالة تقول إن الكلمة الصادقة قد تعبر الحدود، وأن العلم يمكن أن يصنع السلام، وأن الوفاء قادر على أن يحفظ في الذاكرة أسماء الذين وقفوا إلى جانب الإنسان في أوقات المحنة.
أن الأستاذة الدكتورة آمنة محمد نصير لم تكن شخصية أكاديمية فحسب، بل نموذجًا للمثقف الذي جمع بين العلم والموقف، وبين الفكر والعمل، وبين الهوية والانفتاح، وبين الرسالة الأكاديمية والضمير الإنساني؛ وأن حضور قضية كوسوفا في تجربتها أضاف إلى مسيرتها بعدًا إنسانيًا وحضاريًا جعل من العلم والثقافة وسيلة للتقارب بين مصر وكوسوفا.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]