سلاح خلف الشاشات: القانون يواجه إرهاب "الابتزاز الإلكتروني" بسيف العقوبات
لم تعد الجريمة تقتصر على الأزقة المظلمة أو السلاح المادي، بل انتقلت في عصر "السوشيال ميديا" إلى الشاشات الفضية؛ حيث تحول "الابتزاز الإلكتروني" إلى كابوس يهدد استقرار الأسر ويدمر حياة الضحايا، مستغلاً صوراً مقتطعة، أو محادثات خاصة، أو بيانات مخترقة.
وأمام تزايد هذه الظاهرة، تحركت التشريعات والقوانين لفرض عقوبات رادعة تطارد الجناة في العالم الافتراضي؛ فكيف يرى الخبراء المتخصصون أبعاد هذه الجريمة؟ وما هي العقوبات التي تنتظر المبتزين ؟
أولاً: التكييف القانوني.. "العقوبة تصل للسجن المشدد 7 سنوات"
في تصريح خاص، أوضح المستشار ياسر سيد أحمد، المحامي بالنقض والخبير القانوني، أن التشريع المصري يواجه الابتزاز الإلكتروني بحزمة من المواد الحازمة فالابتزاز الإلكتروني ليس جريمة واحدة، بل مركبة تُكيف قانوناً بحسب تفاصيل الفعل؛ فالمادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه لكل من انتهك حرمة الحياة الخاصة أو اعتدى على القيم الأسرية."
وأضاف المستشار ياسر سيد أحمد
"أما إذا ارتبط التهديد بطلب مالي أو امتناع عن فعل (كالمطالبة بأموال أو صور إضافية)، فإن التكييف ينقل الجريمة إلى المادة 327 من قانون العقوبات، وتصل العقوبة هنا إلى السجن المشدد مدة قد تصل إلى 7 سنوات. والقانون ينظر إلى التهديد بإفشاء أمور تخدش الشرف بوصفه جناية مكتملة الأركان تتضاعف عقوبتها إذا كان الضحية قاصراً."
ثانياً: البعد النفسي.. "المبتز يراهن على خوف الضحية والصمت هو الفخ"
وحول السلوك النفسي لطرفي الجريمة، صرحت الدكتورة سمر محمود، استشارية الطب النفسي والعلاقات الأسرية إن "سيكولوجية المبتز تقوم في الأساس على الاستقواء بخوف الضحية من الفضيحة أو النظرة المجتمعية؛ فيستمر في ممارسة الابتزاز دون توقف، ككرة الثلج التي تكبر كلما استجاب الضحية لمطالبه."
وتابعت د. سمر محمود حديثها قائلة إن "أكبر خطأ يرتكبه الضحية هو الخضوع أو التفاوض والدفع المالي؛ الاستجابة لا تنهي التهديد بل تزيد من طمع الجاني. ننصح دائماً بضرورة تقديم الدعم النفسي للضحية من قِبل الأسرة فور اكتشاف الأمر، والتأكيد على أن الضحية ليس مجرماً بل هو مجني عليه يستحق الحماية لا اللوم."
ثالثاً: كيفية الحفاظ على الدليل وتأمين الضحية ؟
وعن الآليات التكنولوجية والخطوات الأمنية لإثبات الجريمة، صرح المهندس وليد عبد المقصود، خبير أمن المعلومات والتكنولوجيا إن "إثبات جريمة الابتزاز الإلكتروني يتطلب التعامل بحذر ودقة شديدة مع الأدلة الرقمية فور حدوث التهديد؛ فالخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثيرون هو مسح الرسائل أو إغلاق الحسابات بدافع الخوف، وهو ما يضيع الدليل الفني."
وقدم الخبير التكنولوجي روشتة تقنية موثقة للإبلاغ الصحيح:
توثيق المحادثات (Screenshots): أخذ لقطات شاشة واضحة للرسائل مع إظهار رقم الهاتف أو رابط (URL) حساب الجاني.
عدم مسح المحادثات: الاحتفاظ بالرسائل الصوتية والنصية كاملة وعدم حذفها لتتولى جهات التحقيق فحصها فنياً.
التحرك إلى الجهات المختصة: التوجه فوراً لـ "إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات" (مباحث الإنترنت) أو الاتصال بالخط الساخن (108) لتقديم بلاغ رسمي.
تجنب المواجهة الانفعالية: التأكيد على عدم سب الجاني أو تهديده في المحادثات حتى لا يتغير التكييف القانوني للبلاغ.
إن مواجهة الابتزاز الإلكتروني لم تعد قضية فردية، بل هي معركة واعية تبدأ من كسر حاجز الصمت. وكما يجمع الخبراء والمتخصصون، فإن التشريعات الحازمة والوعي التقني هما الحصن المنيع لردع كل من تسول له نفسه استغلال الفضاء الرقمي لإرهاب الآخرين، ليبقى القانون هو الملاذ الأول والأخير لحماية كرامة الأنسان.