رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أحمد صالح حلبي: فخر الفرزدق تسبب في طلاق زوجته

هير نيوز

عرف الفرزدق كشاعر عربي، يمتاز شعره  " بجزالة ألفاظه، وفخامة عباراته، وقوة سبكه " ، واشتهر بـــ " المديح، والفخر، والهجاء، وبرع في نظم النقائض الشهيرة مع الشاعر جرير، ويُعد مرجعاً لغوياً مهماً لغزارة مفرداته وعمق تراكيبه " 
وقيل "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس"، "وهو صاحب الأخبار والنقائض مع جرير والأخطل، واشتهر بشعر المدح والفخرُ وَشعر الهجاء".
كما عرف بالشجاعة والقدرة على المواجهة دون خوف أو تواري خلف الستار ، ولم يثبت أن استسلم يوما للخوف أو تراجع عن قول ، فشجاعته تجعله يمضي دون خوف أو قلق ، غير مكترث للعواقب ، وهذا ما تمثل في " تحدّيه للخليفة الأموي "هشام بن عبد الملك" في موسم الحج ، " ومعه الفرزدق ووجوه أهل الشام، وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنة ولم يُفسح لهشام ليستقبل الحجر الأسود، فنصب له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس، واقبل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بن زين العابدين وهو من أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثوباً، وأطيبهم رائحةً، فطاف في البيت، ولما بلغ الحجر الأسود تنحى الناس كلهم، وأخلوا له الحجر ليستلمه، هيبةً واحتراما له، فغاظ ذلك هشام بن عبد الملك وبلغ منه، فقال له رجل من أهل الشام: من هذا أصلح الله الأمير؟
فقال: لا أعرفه، وكان به عارفاً وقد خاف أن يرغب به أهل الشام ويسمعوا منه . 
فقال الفرزدق وكان لذلك كله حاضراً: أنا أعرفه، فسلني عنه يا شامي، قال الشامي ومن هو يا أبا فراس؟ فقال الفرزدق:
هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ
هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ
هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ
بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا
وَلَيسَ قَولُكَ مَن هَذا بِضائِرِهِ
العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ
ومن شعره في الفخر بكثرة قومه بني تميم قوله :
لَنا عَدَدٌ يُربي على عدد الحصى
وَيُضعِفُ أَضعافاً كَثيراً عَذيرُها
وَما حُمِّلَت أَضغانُنا مِن قَبيلَةٍ
فَتَحمِلَ ما يُلقى عَلَيها ظُهورُها
إِذا ما اِلتَقى الأَحياءُ ثُمَّ تَفاخَروا
تَقاصَرَ عِندَ التميمي فُخورُها
وإن لعبت شجاعته وفخره دورا في دخوله السجن ، فإنه ماكر ومخادع أيضا ، وهذا ما برز في قصة زواجه بنواره ، التي لم تكن ترغبه ، فقد "كانت النوار امرأة صالحة وجميلة، لكنها لم تُحب الفرزدق،  قصدته طالبةً منه مساعدتها وتزويجها، فخدعها وتزوّجها، وتبدأ القصة حينما قبلت النوار عرض ابن عمها، وذهبت معه إلى الجامع، حيث اجتمع الناس، وقالت: "اشهدوا أني قد وكّلتُ ابن عمي همام بن غالب التميمي في أمر زواجي"، وسرعان ما ردّ عليها الفرزدق قائلاً: "قد أشهدَتكُم أنها قد جعلت أمرها إليّ، وإني أشهدكم أني قد تزوجتها على 100 ناقة حمراء سوداء الحدق".
فشعرت النوار بالغدر، ولم تدرِ ماذا تفعل، لكنها استترت من الفرزدق، وهربت منه من دون أن تدري أن العراقيل ستكون كثيرةً أمامها، فقد لجأت إلى شيوخ القبائل في البصرة، حيث تعيش، لكنهم ردّوها، إما احتراماً للفرزدق أو خوفاً من هجاء شعره وبطش قبيلته.
وكانت كلما استجارت بقبيلةٍ من قبائل العرب في البصرة، ردّوها خوفاً من شاعر العرب وشيخ بني تميم، وبنو تميم كانوا أكثر القبائل العرب عدداً، وأشدّهم بأساً، وأوسعهم أرضاً، وأكثرهم أحلافاً.
أما سبب طلاقه لها فهو جرير الذي اجتمع معه لدى الخليفة الأموي الخامس عبدالملك ابن مروان، فقال الفرزدق:
النوار بنت مجاشع ـ يقصد زوجته ـ طالق ثلاثاً إن لم أقل بيتاً لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبداً، ولا يجد في الزيادة عليه مذهباً، فقال عبد الملك: ما هو؟
فقال: فإني أنا الموت الذي هو واقع 
بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله
وما أحد يا بن الأتان بوائلٍ 
من الموت إن الموت لاشك نائله
فأطرق جرير قليلاً ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثاً ـ يعني زوجة الفرزدق ـ إن لم أكن نقضته وزدت عليه.
فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة،
فأنشد:
أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس 
بكفيك يا بن القين هل أنت نائله
أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد 
فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله
فقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك.
فقال الفرزدق: فما ترى يا أمير المؤمنين؟ 
فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار بطلاقها.
فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها
لكنه بعد طلاقه لها أنشد قائلا : 
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار
وماتت النّوار بعد طلاقها منه بالبصرة  ، وصلّى عليها الحسن البصرىّ ـ رحمه الله ـ .
ورغم الصراع الأدبي بين الفرزدق وجرير ، إلا أن جرير كان وفيا له بعد وفاته فقال في قصيدته التي يرثي فيها الفرزدق : 
رثاء جرير للفرزدق
لعمري لَقَدْ أشجي تميمـاً وهده
علي نكبات الدهر موت الفرزدق
عشيـة راحـوا للفـراق بنعشه
إلى جدثٍ في هوة الأرضِ معمـقِ
لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي
إلى كل نجم فـي السمـاء محلـقِ
ثوي حامل الأثقال عن كل مُغـرمٍ
ودامغ شيطان الغشـوم السملـقِ
عمـاد تميـم كلهـا ولسانـهـا
وناطقها البذاخ فـي كـل منطـقِ
فمن لذوي الأرحام بعد ابن غالبٍ
لجارٍ وعانٍ في السلاسـل موثـقِ
ومن ليتيم بعد موت ابـن غالـب
وأم عـيـال ساغبـيـن ودردقِ
ومن يطلق الأسري ومن يحقن الدما
يداه ويشفي صدر حـران مُحنَـقِ
وكم من دمٍ غـالٍ تحمـل ثقلـه
وكان حمولاً في وفـاءٍ ومصـدقِ
وكم حصن جبار هُمـامٍ وسوقـةٍ
إذا مـا أتـي أبوابـه لـم تغلـق
تفتـح أبـواب الملـوك لوجهـه
بغيـر حجـاب دونـه أو تملُـقِ
لتبكِ عليه الأنس والجن إذ ثـوي
فتي مُضرٍ في كل غـربٍ ومشـرقِ
فتيً عاش يبني المجد تسعيـن حجـةً
وكان إلي الخيرات والمجـد يرتقـي
فما مات حتي لـم يُخلـف وراءه
بحيـة وادٍ صولـةً غيـر مصعـقِ
[email protected]   

 @ashalabi1380

تم نسخ الرابط