بقلم مروة عثمان “ولا تنسوا الفضل بينكم”
إنَّ الزواج من أسمى وأقدس العلاقات الإنسانية التي تجمع بين الرجل والمرأة، ولكن الحياةَ الزوجيةَ لا تخلو من الخلافات، وهذا أمرٌ طبيعي؛ وذلك بسبب اختلاف شخصية كلٍّ من الزوج والزوجة.
فالشخصية، كما يراها علماء النفس، هي المنبعُ الرئيسيُّ لكياننا، ليس فقط لأنها تُوجِّه أفكارنا وأعمالنا وتُكسبها طابعًا خاصًا، وإنما أيضًا لأنها تشمل ما نظنه ونفعله، وتكون نتيجةً لتجاربنا والبيئة الاجتماعية والمادية التي تؤثر فينا.
وعندما يرى البعض أن الزواج معركةٌ للتفوق بدلًا من أن يكون حياةً مشتركةً بين الطرفين، ويرى أنه لا بد أن يكون أحدهما هو الفائز، من هنا تبدأ دائرة الخلافات. وهنا يتضح لنا أسباب الخلافات الزوجية، وكيف نحاول السيطرة عليها قدر المستطاع.
أولًا:
التساؤل الذي يُحيِّر كلا الطرفين كثيرًا في الحياة الزوجية، وخاصة في بداية الزواج، هو:
“هل زوجي يحبني؟” أو “هل زوجتي تحبني؟”
لنُجيب عن هذا السؤال، دعونا نعرف معنى الحب.
فالحب هو العلاقة التي تجعل أحد الأفراد يهتم بسعادة وراحة وأمن الشخص الآخر، كاهتمامه بنفسه تمامًا.
وهنا نقول: عندما نكون محبّين لأزواجنا، لا بد أن نقدّم الاهتمام للطرف الآخر كما نقدّمه لأنفسنا. وعلى الزوجين في بداية زواجهما أن يضعا نفسيهما طرفًا في علاقة جديدة، يضطر فيها كلٌّ منهما إلى لعب دورٍ مغاير لما تعوّد عليه قبل الزواج، وهذا يتطلب منهما مرونةً كبيرة.
فعندما تبدأ الحياة الزوجية، تبدأ المصاعب في مواجهة تحدياتٍ كثيرة.
فمثلًا، بالنسبة للزوج، عليه أن يتخلى عن بعض اهتماماته، مثل تقليل علاقاته بأصدقائه وتقنين عدد مرات الخروج معهم. وهذا لا يعني قطع علاقته بهم، ولكن المقصود أن يُشعر زوجته بأنها في مقدمة اهتماماته.
فالزوج الذي يتجاهل مسؤولياته، ويحاول أن يحيا الحياة التي اعتاد عليها دون أن يهتم برأي زوجته، يتسبب في كثير من الخلافات، بل وقد يُبعد الطرف الآخر عنه.
وكذلك على الزوجة أن تجعل زوجها في مقدمة اهتمامها، وتشعره بأنه أهم شيء في حياتها، وأن تكون لديها قناعة تامة بأن حياتها قبل الزواج تختلف تمامًا بعد أن أصبحت زوجةً مسؤولة.
فالخلافات الزوجية تأتي دائمًا من عدم الاهتمام، وإن كانت الخلافات أمرًا طبيعيًا، فإنها دليلٌ على أن الحب ليس بالأمر السهل.
فصحيح أننا جميعًا نملك القدرة على أن نحب ونُحب، ولكن قدرتنا على الحب قد تتعرض للتوقف بسبب كثرة المشاكل. لذا، لا بد أن ينهض الحب في الحياة الزوجية على أساسٍ قوي من التفاهم، حتى تتاح له فرصة مقاومة هذه المشاكل.
ثانيًا: “علاقة الأخذ والعطاء”
من أهم النقاط التي تسبب الخلافات الزوجية عدمُ مراعاة التوازن في الأخذ والعطاء بين الزوجين.
فليس من الواقعية في الحياة أن ترى اهتمامًا وعنايةً من طرف، يقابلهما إهمالٌ من الطرف الآخر في الوقت نفسه. لذلك، فإن القليلين الذين يتوقعون ذلك من أزواجهم يقعون فريسةً للخلافات الزوجية، لأن ذلك يُعدّ عدم تكافؤ.
فأكثرنا يرتبطون بعلاقات الحب وهم يتوقعون أن يتلقوا أكثر مما هم على استعدادٍ أن يعطوا. ولعل ذلك يكون أقل حدوثًا في فترة الخطوبة و”مرحلة شهر العسل”، ولكن ما إن تنتهي هذه الفترة الحالمة وندخل في صميم العلاقة الزوجية ونستعيد ذواتنا العادية، حتى نصبح أقل رغبةً في العطاء.
ولكي نتفادى الوقوع في هذا الخطأ، علينا أن نوازن بين الأخذ والعطاء، وأن يتعلم كلٌّ من الزوجين كيف يُحب الطرف الآخر بشكلٍ أفضل، حتى يستطيع كلٌّ منهما إرضاء نفسه وشريكه.
ثالثًا: “الجانب المادي في الحياة الزوجية”
للجانب الاقتصادي في الزواج نصيبٌ في إثارة المتاعب والخلافات، سواء في كيفية الحصول على المال أو أوجه إنفاقه.
فعندما يكون الزوج هو المسؤول عن جلب المال، وتكون الزوجة في موقفٍ يحتم عليها الاعتماد عليه، قد ينشأ سوء تفاهم، وتنهار الروح المعنوية.
فقد يرى الزوج أن زوجته لا يهمها سوى إنفاق المال، أو أنها تنفقه في أشياء غير مهمة، فيبدأ بتوجيه الاتهامات لها، وتحقيرها، وتهميش دورها كأمٍّ وزوجة، وما تقدمه من تضحيات لتأمين بيتها وتربية أبنائها.
وهنا تبدأ بعض الزوجات في التفكير لإثبات شخصيتهن وردّ كرامتهن بالبحث عن عمل، ولكن للأسف قد تظهر مشاكل جديدة، مثل نشوب منافسة بين الطرفين، أو خلافات بسبب تقصير الزوجة في بيتها أو اهتمامها بعملها أكثر.
وهنا يظهر الخطر الحقيقي الذي يهدد السعادة الزوجية ويثير سوء التفاهم.
ويكون الحل في التحلي بالصبر والتأني، والتفكير بهدوء لمناقشة الأصلح لحياتهما، وأن يحاول كل طرف احتواء الآخر ومراعاة ظروفه المادية والنفسية. فكلما كنا أكثر نضجًا، كنا أقدر على مقاومة هذه المشاكل.
ففهم ومناقشة شريك الحياة يساعدنا على فهم أنفسنا.
رابعًا: “عدم إظهار التقدير بين الطرفين”
كثير من الأزواج يستصغرون الأعباء التي تُلقى على عاتق أحد الطرفين، ويُهملون موضوع التقدير.
فكلمة شكرٍ طيبة، أو باقة ورد، قد تشحن حماس الأزواج، بل وقد تُجدد الحب. ومشكلتنا أننا ننسى، بل ونهمل، الجانب الإنساني والعاطفي بيننا.
فكلمة واحدة قد ترفع المعنويات، كما أن اختيار مكان هادئ بعيد عن الإزعاج لبدء النقاش بهدوء، مع استخدام عبارات تقديرية بين الزوجين، يساعد على حل الكثير من المشاكل.
فعلينا ألا ننسى سحر الكلمة الطيبة، وأثر التقدير في استمرار حياة زوجية خالية من المشاحنات.
وأخيرًا: “الخيانة”
من أهم أسباب الخلافات، بل وهدم الحياة الزوجية، هي الخيانة.
وقد أثبتت الدراسات أن السبب المشترك للخيانة الزوجية هو ضعف الإيمان بالله، والاهتمام بمظاهر الدنيا، وقلة الثقة بالنفس وبالشريك.
ويرى بعض الأزواج، خاصة الرجال، أن عدم اهتمام الزوجة بنفسها أو بزوجها، لانشغالها بالعمل أو تربية الأبناء، مبررٌ للخيانة. كما قد ترى بعض الزوجات أن إهمال الزوج أو إهانته أو انشغاله عنها مبررٌ أيضًا للخيانة.
ولكنها أسباب غير مقبولة، أيًّا كانت درجتها؛ لأن الخيانة الزوجية هي أصعب ما يمكن أن يواجهه الرجل أو المرأة، وهي أبشع السلوكيات التي تؤدي إلى نهاية حتمية للحياة الزوجية، فهي انتهاكٌ لأهم حق بين الزوجين.
إن الحياة الزوجية تحتاج إلى الصبر والتفكير بعمق لحل مشاكلها، ولإبقائها مستمرة، خالية من الملل، ومفعمة بالحب.
فعلينا التأني، وألا نجعل ساعات الخصومة تهدم سنوات المودة. وقد ضرب لنا بعض الأزواج من الجنسين أروع الأمثلة في الوفاء وحفظ العِشرة، وذلك بسبب الصبر والتضحية والتسامح، ومحاولة إرضاء الطرف الآخر بالموازنة بين اللين والشدة.
فيجب علينا أن نكون على قدرٍ من النضوج لاحتواء هذه العلاقة المقدسة. وحتى لو فشلت هذه العلاقة، ولم يستطع الطرفان إكمال حياتهما، فلا ينسيا في غمرة التأثر بالفراق ما بينهما من سابق العِشرة والمودة والرحمة.
فإذا انتهت العلاقة بالطلاق، فهذا لا يعني نسيان ما كان بين الزوجين من مواقف الفضل. فقد أوصانا الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه الكريم:
“ولا تنسوا الفضل بينكم”
وذلك تأكيدًا على عدم إهمال الفضل بين الأزواج، ولقدسية العلاقة بينهم. فما أعظم هذه العبارة لو يطبقها الأزواج في حياتهم:
“فالكريمُ لِمَن يُعاشرُ حافظًا.”