حضانة الأطفال في مصر: لماذا يتذيل الأب المرتبة 16 في قانون الأحوال الشخصية؟
لم تكن حضانة الأطفال منذ فجر الضمير الإنساني مجرد إجراء قانوني جاف على ضفاف النيل. بل كانت دائماً انعكاساً دقيقاً لموازين القوى داخل الأسرة المصرية عبر العصور المختلفة. ومع ذلك، يقف رب الأسرة المصري اليوم في المرتبة رقم ستة عشر ضمن قائمة ترتيب الحضانة.
ويمثل هذا الوضع مفارقة تاريخية تستدعي البحث العميق في الجذور والأسباب التي شكلت هذا الواقع. ومن هنا، يتساءل الكثيرون عما إذا كان هذا الترتيب هو الفتيل الذي أشعل نيران المحاكم مؤخراً. ونتيجة لذلك، تزايدت صرخات الآباء الرافضين لتغييبهم القسري عن حياة أبنائهم بعد انفصال الزوجين.
تحولات الفقه الإسلامي بين حنو الأم وهيبة الأب
كانت الحضانة في مصر منذ دخول الفقه الإسلامي تقوم على فلسفة موازنة الحنو والهيبة معاً. وبناءً عليه، يوضح الفقيه محمد زيد الإبياني أن المذهب الحنفي استند قديماً إلى فكرة احتياج الصغير للخدمة.
وبموجب هذا الفكر، تظل الأم حاضنة حتى يبلغ الطفل سناً تسمح له بالاستغناء عن رعاية النساء المتواصلة. ولكن بمجرد بلوغ تلك السن، كان الصغير ينتقل فوراً إلى بيئة الأب ليتعلم أصول الحرف وخشونة الحياة. ومع مرور الزمن، انقلبت هذه الآية تماماً وتحول الأب من المبتدأ والخبر إلى ذيل قائمة طويلة.
قانون جيهان والتحول الجذري في عصر النساء
بدأت ملامح التغيير الكبرى تظهر بوضوح مع صدور القانون رقم خمسة وعشرين لسنة ألف وتسعمائة وتسعة وعشرين. وعلاوة على ذلك، جاء عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين ليشهد اللحظة التي وصفت بنهاية عصر السيادة الأبوية. إذ صدر حينها القانون المعروف شعبياً باسم قانون جيهان بدعم قوي من السيدة جيهان السادات. ومن ثمَّ، رُفعت سن الحضانة لتقيد حق الأب في استرداد أبنائه في سن مبكرة كما كان سابقاً. ورغم إبطال هذا القانون لاحقاً، إلا أن روحه استمرت حتى وصلت إلى القانون الحالي الذي رفع السن لخمسة عشر عاماً.
أزمة المرتبة السادسة عشر وفجوة الاغتراب الوالدي
تعتبر المادة عشرون من قانون سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين هي حجر الزاوية في المعاناة الحالية للآباء. حيث حصر المشرع ترتيب الحضانة في النساء أولاً مما جعل الخالات والعمات يسبقن الأب في رعاية أطفاله. وينتقد الدكتور جابر جاد نصار هذا الترتيب المعتمد على تفسيرات فقهية قديمة لا تناسب الواقع المعاصر. وتبعاً لذلك، تحولت الحضانة من حق للمحضون في رعاية والديه إلى سلطة حصرية للأم في أغلب الأحيان. ولهذا السبب، نشأت فجوة الاغتراب الوالدي التي حولت الأب إلى مجرد ماكينة صراف آلي خارج حدود الأسرة.
نماذج عربية ناجحة في تحديث قوانين الأسرة
وفي المقابل، شهدت دول الجوار العربي تحولات ثورية في ترتيب حضانة الأطفال خلال السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، حطمت مدونة الأسرة المغربية الترتيب التقليدي وجعلت الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم. وكذلك لحقت المملكة العربية السعودية بهذا الركب المتطور عبر نظام الأحوال الشخصية الجديد لعام ألفين واثنين وعشرين. وبالتوازي مع ذلك، اعتمد القضاء التونسي فكرة الحضانة المشتركة لضمان عدم حرمان الطفل من هويته الأبوية. وتؤكد هذه النماذج أن مصلحة الطفل الفضلى تقتضي وجود الوالدين معاً في الدائرة الأولى للرعاية.
مستقبل الأسرة المصرية بين الجمود والتحرك التشريعي
وفي الختام، يمكن القول إن أزمة الحضانة في مصر ناتجة عن الإصرار على استدعاء ترتيب لا يناسب العصر. وبينما نجحت عواصم عربية عديدة في فك هذه العقدة، لا يزال الأب المصري يصارع في ذيل القائمة. لذا، يحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع يهدد التوازن النفسي للأجيال القادمة بشكل مباشر وجسيم. ومن هنا، يبقى السؤال قائماً حول موعد تحرك المشرع المصري لإنهاء هذا الكابوس القانوني المرهق للجميع. وبناءً عليه، يتطلع المجتمع لإعادة ترتيب بيت الزوجية المنهار قبل أن تتلاشى الروابط الأسرية للأبد.