بقلم أنس الرشيد: توحيد منتصف العمر
يُروى أنَّ أبا حيان التَّوحيدي كان يعتاد جبَّانةً بعد أن بلغ الأربعين -والجبانة هي المقبرة- ويظلّ فيها أوقاتا طويلة، وقد طال مقامه فيها حتى سُمِّي التوحيدي، ولا يُدرى -يقينًا- عن العلاقة بين الاسم والفعل، لكن يُظَن أنَّ هناك علاقة بين فعله هذا وتوحيد المعتزلة (نفي صفات الله)، فهو قد اعتزل الناسَ لأنهم لم يُوحدوا اللهَ كما توحده المعتزلة، ومن الطريف أنَّ من كان يحرس الجبَّانة قال له: «لمَّا سمعت قريش -في مطلع الوحي- آيات الصفات وأحاديثها لماذا لم يدر في خواطرهم الصفات التي يرونها في المخلوقين؟ لماذا لم يتكلموا كما تتكلم المعتزلة عن صفات الله؟» ويبدو لي أنَّ هذه الحكاية كانت سببًا غير مباشر في اعترافِ التوحيدي بخطأ شنيع اقترفه وهو أن يُصادر من العرب تاريخَهم، وأن يصنع من لاهوت بني إسرائيل تاريخًا للعرب، ثم يتبناه لأنه يُعطيه معنى لحياته، لكنَّ التوحيديَّ لم يستطع أن يكون كالجاحظ معتزليًا ذا شخصية عربية وإسرائيلية وفارسية، مجموعون في كأسٍ واحدة، شخصية فكرية تجمع النقائضَ دون أن تنفذ إلى أعماق الروح، فلم يكن الجاحظ شخصيةً مزدوجة تتعذَّب كما التوحيدي الذي كان يصرخ وهو في الجبَّانة: «من أنا؟ أنا الذي لم تُؤاتني الدنيا فأخوض فيها، ولم تغلب عليَّ الآخرة فأعمل لها»، إنه صنع طريقا ثالثا لا هو في الدنيا ولا في الآخرة، وهو أن يُجاور الموتى لعله يُشفى مما أصابه في منتصف العمر، وهنا أتوقف توقفا مهمًا وهو أنَّ حارس الجبّانة -لمَّا ملَّ من سماع تأوهات التوحيدي- قال: أيهما شيخك الجاحظ؟ هل واتته الدنيا فخاضَ فيها أو غلبت عليه الآخرة فعمل لها؟ لم يجد التوحيدي جوابًا، لكنَّه شرعَ في كتابةِ قطعة نثرية ونسبها للجاحظ (سيأتي ذكرها آخر المقالة)، ثم رفع رأسه ولهج بمقولة -لا يُدرى من يقصد فيها لكنها في سياق سؤال حارس الجبانة- وهي «الناس متوهمون، ضالون، يظنون أنَّ الحقَ معهم، وهو وراءهم»، لم يستطع حارس الجبانة النمَّام أن يسكت لمَّا سمع المقولةَ، بل نقلها مباشرة إلى ابن بطّة العكبري عدو التوحيدي، الذي قال ساخرًا: «أنت يا أبا حيان حامل لوائهم».
ما يهم المقالة هنا أنَّ الندم الذي سيطر على التوحيدي بعد الأربعين لم يجعله يتخلى عن شخصيته المتفردة وفكره المعتزلي كما ظنَّ النمَّام -حارس الجبَّانة-، ولكن جعله يفصل فصلًا جذريًا بين تاريخِ العرب كما هو وسلوكه المعرفي فيما بعد الأربعين، لهذا لابدَّ أن توقفنا القطعةُ النثرية التي كتبها التوحيديُّ بعد مخاضٍ عند حصيات القبر، القطعة التي افتتحها بقول: «قال أبو عثمان»، ويقصد الشيخ الأكبر الجاحظ، قال: «إنَّ الله قد قسم الصنع بين جميع أفعاله، محبوبها ومكروهها، فأضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وعافى وابتلى، وفرَّق بين الأماني والآمال، فالأولى منطلقة بلا حد والأخرى مقيدة بالأسباب، وكل ذلك ليردنا إلى الاقتصاد، ويعرفنا أنَّ الفضيلةَ في تعديل الأمور، وجعل النسيان حظًا من الخِيَرة» إلى آخر القطعة البديعة التي طالت حتى بلغت صفحتين ونصف، وضعها على لسان غيره -كعادته- لأنها تشرح (سيكولوجية) النسيان والمزاح والأماني بوصفها أدويةً ربانيّة لإنقاذ النفس من وحشةِ الفكر وثقل الندم على ما اقترفه بحق العرب في الأربعين سنة الماضية، وعلى ما اقترفه بحق نفسه المثقلة بالإخفاقات المتتالية على أبواب الوزراء، وعلى ما اقترفه بحق المجتمع حين طالبه بما لا يستطيع، فالمجتمع كائن أحمق لا يفهم سلوك الفرد حين يصحب الوحشَ منفردًا في فلوات الإبداع. وربما كانت هذه القطعة محاولةً يائسة للتصالح مع ذاته البائسة التي أنهكها التحديقُ الطويل في ذاتِ الله وصفاته حتى نسيَتْ صفاتَ العرب وآلائهم. والمفارقة أنَّ التوحيدي لما نسب هذه القطعة النثرية الماتعة للجاحظ نسِي أنَّ شيخَه لم يعش القلقَ الوجودي الذي التهم روح تلميذه، ولعلَّ التوحيدي أراد -بهذه النسبة الكاذبة- أن يُطهر شيخَه من أدران لاهوت بني إسرائيل، أو أن يتبنى عنه -من شدة حبه له- توحيدَ منتصف العمر، وعلامة ذلك أنَّه لما خرج من الجبانة توجّه إلى عدّوه الشيخ ابن بطّة وسلّمه القطعةَ النثرية مكتوبة بخط يده، فقال له ابن بطة بعد أن قرأها: كنت تزدري أهلَ الحديث لأنهم يُمثلون النقيضَ لأقوالك الفلسفية وزندقتك المعتادة، وها أنت تأتي إلى جماعتنا جبانًا كعادتك ناسبًا لشيخك الجاحظ قطعةً نثرية تُسلّم بأنَّ كهفَ اللاهوت كهفٌ ككهفِ شيخ الإغريق أفلاطون ولا مخرج منه حتى في تصوراتك التي جعلتك كالمجنون تزور المقابر كالبُهلول.
التفاتة:
ربما والله أعلم أنَّ التوحيدي عالق في منزلة بين المنزلتين، فهو بوعي شيخه الجاحظ وفكره لكنه لا هو بارد وسالم مثله، ويهفو إلى سكينة عدوه ابن بطّة ولكنه لا يستطيع التنازل عن كبريائه ويُسلّم لتاريخ العرب كما هو دون لاهوت، فبقي في منتصف العمر وحيدًا يُقلّب أوراقَه، ويُناجي أصدقاءه الموتى في الجبّانة، لعله يجد في النسيان والأماني عزاءه الأخير.