رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مريم النويمي: حين تصبح الخلية ساحة حرب

هير نيوز

(الذاكرة أمر نفسي)، اعتقاد سائد، صحيح، لكنه ناقص، لأن هناك تعددًا في أنواع الذاكرة، أقواها «الذاكرة البيولوجية». فالجسد يتذكر، الخلية تكتسب، والجينات لا تنسى بسهولة. حين يتعرض الإنسان لبيئة مضرة، فإن الأذى لا يقف عنده، بل يتناقله نسله من بعده. الحروب أكثر الكوارث البيئية سوءًا، لأن تأثيرها يتناقله الأجيال على كل الأصعدة، وهنا تتحول الحرب من حدثٍ سياسي إلى سؤال أخلاقي، (هل من العدل أن يدفع طفلٌ ثمن قرارٍ لم يشارك فيه؟). الحروب لا تقتل فقط، بل تُعيد تشكيل الحياة نفسها، تدخل في الجينات وتُحدث اضطرابًا في تكوينها، وتترك أثرًا قد يستمر لأجيال، وكأن الحروب لا تكتفي بما تُحدثه بل تأبى إلا أن تبقى بصمتها بعد انتهائها. فالأمر ليس صاروخًا تلاشى في الجو ولم يحدث ضررًا، ولا رصاصًا لم يقتل أحدًا. حين تنتهي الحرب، عادة يُعاد بناء الطرقات، تُرفع الأنقاض، تُرمم المباني، وتعود الحياة إلى الشوارع والمدارس والمستشفيات، لكن هناك أشياء يصعب ترميمها، كـ «الهواء الملوث والأرض المشبعة بمخلفات السلاح، وأجسادٌ وُلدت وهي تمثل قصة لم تعشها». الحروب ليست حدثًا بقدر ما هي ذاكرة طويلة، ترتسم على ملامح الأطفال، المرحلة الأخطر من الحروب، حين تختبئ بقاياها في التفاصيل، الهواء، الماء والجسد.

الأجنة هم ذاكرة الحروب الصامتة، لا يسمعون صوت القذائف، ولا يرون دخانها، لكنهم يستقبلون أثرها، في رحمٍ من المفترض أن يكون هو المكان الأكثر أمانًا في هذا الكون، تتسرب إليه جزئيات ملوثة عبر الماء الذي تشربه أمه والهواء الذي تتنفسه، فتحدث طفرة جينية، تغير مسار تكوينه وأطوار نموه، وهنا تكمن قسوة الحرب، بصمة مشوهة على أجساد من لم يولدوا بعد.

ليست الأجنة وحدها من يدفع ثمن الحرب، بل حتى الأطفال والبالغين، فالتعرض للمواد الكيميائية التي تبثها الأسلحة أينما حلت، تزيد من معدل حدوث السرطانات والأمراض التنفسية المزمنة، ما حدث في هيروشيما وناجازاكي، نموذج لفهم ما يحدث في كل الحروب.

في اللحظة التي ضُربت فيها «هيروشيما وناجازاكي»، انهارت بنية الإنسان قبل الأبنية الأسمنتية، وميض الانفجار تسلل إلى الدم، العظام والمادة الوراثية، فأصبح الإنسان يحمل الحرب داخله، حتى بعد انتهائها، فظهرت أنماط من التشوهات لدى الأجنة الذين تعرضوا للإشعاع داخل الرحم، كانخفاض في حجم الرأس، وتراجع في القدرات العقلية، فبعض الأطفال فقدوا ما يقارب 25 نقطة من معدل الذكاء لأنهم تعرضوا لأبخرة الانفجار في المراحل الأولى من الحمل، كذلك ظهرت الأمراض العصبية كنوبات الصرع والشلل الدماغي، وازداد معدل إجهاض الأجنة، ونسبة وفاة المواليد، ولم يُتح لهم أن يروا العالم الذي أُصيبوا بسببه، وكأنها نعمة حتى لا يورثوا ما تسرب إليهم من ضرر إلى نسلهم إن أنجبوا. فالإنجاب غير مضمون بعدما دمرت الحروب الخصوبة، كما ظهر بعد حرب العراق، فقد ازداد معدل العقم كما ذكرت بعض المراجع العلمية وذلك بسبب التوتر. الاكتئاب والتعرض للإشعاعات الضارة. الحرب لا تترك أثرًا واحدًا واضحًا، بل طيفًا من الاحتمالات البيولوجية المعقدة، والتغير لا يكون دائمًا مرئيًا مباشرة، بل قد يظهر بعد سنوات، في مرض نادر أو في شكل طفل مختلف. في بصرة العراق، لم تكن السنوات التي تلت الحرب طبيعية، فقد لاحظ الأطباء أن الأطفال يولدون بتشوهات غير معتادة، أوزان منخفضة، أدمغة غير مكتملة، قلوب مشوهة وأطراف ناقصة، وأبوان يسألان (ماذا فعلنا لننجب طفلًا كهذا!؟)، الحقيقة أنهما لم يفعلا شيئًا، بل أحماضهما النووية تعرضت للحرب.

لذلك ربما يجب علينا إعادة تعريف الحروب، فهي ليست حدثًا، إنما كائن حي، يتمدد، يتحول ويختبئ، ليتسرب في بطء إلى أماكن لا تكتشفها الرادارات، رئة، دم، عظم وأرحام أمهات.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط