من مدرجات الجامعة إلى عالم الاستثمار: كيف تمهد حاضنات الأعمال الطريق للطالبات الجزائريات؟.. بقلم: الدكتورة بلواضح حسينة
لم تعد الجامعة في الجزائر فضاء مغلقا للتكوين النظري، بل تحولت تدريجيا إلى مختبر حقيقي للأحلام، حيث تخرج الأفكار من قاعات المحاضرات لتشق طريقها نحو السوق، والبحث العلمي ليصبح أداة للتنمية المستدامة. وفي قلب هذا التحول، برزت حاضنات الأعمال الجامعية كفاعل محوري في تمكين الطالبات، ونقلهن من مقاعد الدراسة إلى صفوف رائدات الأعمال.
في زمن اقتصاد المعرفة، لم يعد الرهان على الشهادة وحدها، بل على القدرة على الابتكار، المبادرة، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
ريادة الأعمال النسوية: القوة الكامنة وراء التغيير
لا تقتصر ريادة الأعمال النسوية على إنشاء مشروع تجاري، بل تمثل خيار استراتيجي للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة. فهي مبادرة تتحمل فيها المرأة المسؤولية المالية والإدارية والاجتماعية، وتسعى من خلالها إلى إنتاج ابتكارات تستجيب لحاجات السوق والمجتمع. وتبرز الطالبة الجامعية رائدة الأعمال بخصائص نوعية تجعلها فاعلة في محيطها، من أهمها:
• سرعة البديهة وبعد النظر: القدرة على تحليل الواقع وتصميم خطط تراعي متطلبات التنافسية.
• الإبداع والتوجه المستقبلي: البحث عن الفرص الجديدة واستثمارها بروح المبادرة.
• المسؤولية الاجتماعية: التوفيق بين الطموح المهني والأدوار الاجتماعية دون التفريط في أي منهما.
هذه السمات تؤكد أن المرأة الجامعية ليست عنصرا تابعا في الاقتصاد، بل قوة كامنة قادرة على إعادة تشكيله.
حاضنات الأعمال الجامعية: من الفكرة إلى المشروع
تلعب حاضنات الأعمال داخل الجامعات الجزائرية دور "المنطقة الآمنة والضمان" في المسار الريادي، خاصة في المراحل الأولى الحساسة من عمر المشروع. فهي لا توفر فضاء عمل فحسب، بل تقدم منظومة متكاملة من الدعم تشمل:
• التدريب والتوجيه: صقل النماذج التجارية، إعداد خطط العمل، وبناء النماذج الأولية.
• الدعم اللوجستي: مكاتب، خدمات اتصال، وقاعات اجتماعات داخل الحرم الجامعي.
• التشبيك المهني: ربط الطالبات بشبكات التمويل، المستثمرين، ورأس المال.
• الخدمات القانونية: مرافقة في تسجيل المؤسسات، حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع.
بهذا المعنى، تتحول الحاضنة من مجرد هيكل إداري إلى جسر حقيقي بين الجامعة والمحيط السوسيو-اقتصادي.
نماذج ملهمة: طالبات جزائريات يصنعن الفارق
من قلب الجامعة الجزائرية جامعة محمد البشير الإبراهيمي ببرج بوعريريج، خرجت إلى النور مشاريع ريادية نسوية تثبت أن الطالبة الجزائرية قادرة على الابتكار حتى في المجالات التقنية المعقّدة.
"الآجر المضغوط": عمارة صديقة للبيئة: فريق مكوّن من أربع طالبات في الهندسة المدنية طورن آجر يعزل الحرارة والرطوبة، موجه خصوصا للمناطق الجنوبية. المشروع لا يهدف للربح فقط، بل يسعى إلى تحسين جودة السكن، حماية البيوت من الظروف المناخية القاسية، وإضفاء بعد جمالي مستدام.
"الذهب من النفايات": تثمين المخلفات الصناعية: طالبة في هندسة المدنية حولت نفايات مصانع السيراميك ومواد البناء إلى آجر منخفضة التكلفة. مشروع يجمع بين حماية البيئة، تقليل التلوث، وتوفير حلول اقتصادية لذوي الدخل المحدود.
"الرخام الاصطناعي: حين تلتقي الاستدامة بالأناقة: فريق مشترك من الطلبة والطالبات عمل على تدوير بقايا الرخام الطبيعي لإنتاج رخام اصطناعي عالي الجودة، يهدف إلى ترشيد الموارد الطبيعية، تقليل النفايات، وخلق فرص عمل جديدة.
هذه النماذج تؤكد أن مذكرات التخرج يمكن أن تكون نقطة انطلاق لمشاريع ريادية حقيقية، لا مجرد متطلبات أكاديمية.
التحديات… وما بعد الحاضنة
رغم هذا الزخم الإيجابي، لا تزال الطالبات الرياديات يواجهن تحديات جوهرية، أبرزها:
• نقص الدعم المالي بعد مرحلة التخرج.
• تعقيد الإجراءات الإدارية.
• بعض العوائق الاجتماعية المرتبطة بثقافة أبوية أو صعوبة التنقل.
وهو ما يطرح ضرورة الانتقال من منطق الاحتضان المؤقت إلى منطق المرافقة المستدامة.
رسالة إلى كل طالبة رائدة في كل الدول العربية
• الاستمرارية: لا يتوقف المشروع عند التخرج، بل يبدأ فعليا بعده.
• التدريب المستمر: طوّري مهاراتك في التكنولوجيا والإدارة الحديثة.
• بناء شبكات العلاقات: انخرطي في جمعيات ومنظمات المجتمع المدني لتوسيع دائرة الدعم.
خلاصة
إن ريادة الأعمال النسوية في الجزائر ليست مجرد خيار مهني، بل رافعة حقيقية لتجديد النسيج الاقتصادي الجزائري. وحين تلتقي الجامعة بحاضنات الأعمال، وتُمنح الطالبة الثقة والفرصة، تتحول من باحثة عن وظيفة إلى صانعة لها، ومن متلقية للدعم إلى فاعلة في التنمية المستدامة.
هي قصص نجاح تُكتب بهدوء داخل الجامعات… لكنها تستحق أن تُروى، وأن تُدعَم، وأن تُستثمر.
بقلم: الدكتورة بلواضح حسينة جامعة محمد بوضياف – المسيلة، الجزائر