اتحاد شركات التأمين يستعرض الممارسات العالمية لتوزيع التأمين.. والرقمنة وضبط العمولات في صدارة التطوير
تتجه صناعة التأمين عالميا نحو إعادة تشكيل منظومة توزيع المنتجات التأمينية، مع التوسع في القنوات الرقمية والتأمين البنكي والشراكات التجارية، بالتوازي مع تشديد الرقابة على العمولات وتكاليف التوزيع، بما يعزز كفاءة القطاع ويحمي حقوق العملاء.
وتكشف دراسة حول قنوات توزيع التأمين في ضوء الممارسات العالمية عن تنوع النماذج التي تعتمد عليها الأسواق الدولية للوصول إلى العملاء، بداية من البنوك ووكلاء ووسطاء التأمين، وصولا إلى المنصات الرقمية والشراكات مع شركات الاتصالات والتجارة الإلكترونية ومقدمي الخدمات، في اتجاه يستهدف توسيع نطاق التغطية التأمينية وتعزيز الشمول التأميني.
وتبرز أهمية هذه التحولات في ظل تغير أنماط سلوك العملاء، وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، لتبسيط إجراءات إصدار الوثائق وتحسين تجربة العملاء ورفع كفاءة العمليات التشغيلية.
6 قنوات رئيسية لتوزيع المنتجات التأمينية
وتتنوع قنوات توزيع التأمين بين ستة نماذج رئيسية، تشمل التأمين البنكي الذي يستفيد من اتساع قاعدة عملاء البنوك وانتشار فروعها، ووسطاء التأمين الذين يقدمون خدمات استشارية ويساعدون العملاء على مقارنة التغطيات والأسعار، إلى جانب وكلاء التأمين الذين يعتمدون على التواصل المباشر وبناء علاقات مستمرة مع العملاء.
كما تتزايد أهمية القنوات الرقمية التي تتيح عرض المنتجات ومقارنة خصائصها والحصول على عروض الأسعار وشراء الوثائق وسداد الأقساط إلكترونيا، فضلا عن الشراكات البديلة مع المؤسسات التجارية وشركات الاتصالات ومقدمي الخدمات.
ويمثل التوزيع المباشر من خلال شركات التأمين قناة أخرى تمنح الشركات قدرة أكبر على إدارة تجربة العملاء والتحكم في طريقة عرض المنتجات وجودة الخدمة، مع الحاجة إلى الاستثمار في البنية التكنولوجية وخدمات العملاء وفرق المبيعات.
وتؤكد هذه النماذج أن نجاح منظومة التوزيع لا يرتبط باتساع الانتشار فقط، وإنما بمدى ملاءمة المنتجات لاحتياجات العملاء، ووضوح شروط التغطية والاستثناءات، وكفاءة إدارة الشراكات والالتزام بالضوابط التنظيمية.
الهند والصين.. الرقمنة واتساع قاعدة العملاء
وتقدم السوق الهندية نموذجا للتوزيع متعدد القنوات، إذ تعتمد على البنوك والوكالات التقليدية ووسطاء التأمين والمنصات الرقمية، إلى جانب الموزعين المحليين الذين يسهمون في الوصول إلى المناطق الريفية والشرائح الأقل تعاملا مع القنوات التقليدية.
وتشير الدراسة إلى أن إجمالي الأقساط المكتتبة في الهند يقدر بنحو 156 مليار دولار، مع استمرار فرص النمو مدفوعة بالتوسع الرقمي وبرامج الشمول المالي والتأميني.
وفي المقابل، تمثل الصين نموذجا متقدما في الجمع بين التكنولوجيا والوكالات التقليدية والتأمين البنكي والوساطة الرقمية، مع تجاوز إجمالي الأقساط المكتتبة بها نحو 730 إلى 780 مليار دولار سنويا، وفقا للأرقام الواردة في الدراسة.
وشهدت السوق الصينية تحولات تنظيمية استهدفت خفض تكاليف التوزيع والحد من الأتعاب غير المعلنة، حيث تشير الدراسة إلى تراجع متوسط عمولات التأمين البنكي بنحو 30% عقب الإجراءات التنظيمية التي بدأت في عام 2023، مع استمرار تشديد الضوابط خلال عامي 2025 و2026.
وتعكس التجربة الصينية اتجاها نحو إعادة ضبط العلاقة بين شركات التأمين وقنوات التوزيع، بما يحد من الأعباء غير المبررة ويعزز الشفافية في تحديد المقابل المالي.
المغرب والإمارات.. تنوع القنوات واختلاف نماذج العمولات
وفي المغرب، تستند منظومة توزيع التأمين إلى شبكة من الوسطاء والوكلاء المعتمدين، بالتوازي مع دور البنوك في تسويق منتجات الحياة والادخار والتغطيات المرتبطة بالقروض، فضلا عن التوسع التدريجي في القنوات الرقمية.
وتقدر الدراسة إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق المغربية بنحو 55 إلى 64 مليار درهم سنويا، مع استحواذ تأمينات الممتلكات على نحو 55% من السوق، مقابل قرابة 45% لتأمينات الحياة والادخار.
أما الإمارات، فتجمع بين وساطة التأمين والمنصات الرقمية والتأمين البنكي والبيع المباشر، مستفيدة من تطور البنية التنظيمية والتكنولوجية. وتقدر الدراسة إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق الإماراتية بنحو 74.8 مليار درهم.
وتتفاوت عمولات التوزيع وفقا لطبيعة المنتجات التأمينية ونوع التغطية، إذ تعرض الدراسة نطاقات مختلفة لعمولات التأمين الصحي والممتلكات والسيارات ومنتجات الحياة والادخار، مع خضوعها للضوابط التنظيمية ذات الصلة.
وتوضح هذه التجارب أن تنظيم العمولات أصبح أحد المحاور الأساسية لتطوير أسواق التأمين، في ظل سعي الجهات الرقابية إلى تحقيق التوازن بين تحفيز قنوات التوزيع وخفض التكاليف وحماية حقوق حملة الوثائق.
السوق المصرية.. إطار تنظيمي لضبط المقابل المالي
وعلى المستوى المحلي، تتنوع قنوات توزيع التأمين بين البنوك والوكلاء ووسطاء التأمين والقنوات الرقمية، مع تزايد فرص التوسع في التأمين متناهي الصغر والشراكات التي تتيح تقديم التغطيات التأمينية من خلال قنوات غير تقليدية.
وتشير الدراسة إلى أن قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024 وفر إطارا تشريعيا لتنظيم القطاع وتعزيز الإفصاح وحماية حملة الوثائق، فيما تناول قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 267 لسنة 2025 تنظيم المقابل المالي لجهات التسويق والتوزيع.
ويتضمن الإطار التنظيمي متطلبات تتعلق بالإفصاح عن العمولات والمكافآت والمصروفات التسويقية وحوافز الأداء، مع توضيح أسس احتسابها ومواعيد سدادها، إلى جانب ضرورة اتساق المقابل المالي مع تسعير المنتجات وحجم الأقساط المتوقع وطبيعة الخدمات المقدمة.
كما يتطلب الإطار دراسة الأثر الاكتواري للمقابل المالي، بما يضمن عدم الإضرار بربحية المنتجات أو حقوق العملاء أو الملاءة المالية لشركات التأمين، مع منح الهيئة صلاحيات لطلب المبررات والدراسات اللازمة أو إلزام الشركات بتعديل العقود والتسعير عند الضرورة.
وتتناول الدراسة كذلك القرارات التنظيمية الصادرة خلال عام 2026 بشأن مدد تراخيص تسويق المنتجات عبر البنوك، وتأمين الائتمان والضمان، إلى جانب الضوابط المنظمة للوساطة التأمينية والحوكمة.
6 توصيات لتعزيز كفاءة قنوات التوزيع
وفيما يتعلق بتطوير الشراكات مع قنوات التوزيع، تطرح الدراسة مجموعة من المعايير التي تستهدف تعزيز كفاءة التعاقدات وتحقيق الاستدامة المالية، مع مراعاة اختلاف طبيعة كل قناة واحتياجات العملاء.
وتشمل أبرز التوصيات:
- اعتماد سياسة واضحة للعمولات: إقرار سياسة معتمدة من مجلس الإدارة تغطي مختلف قنوات التوزيع وصور المقابل المالي، مع تحديد صلاحيات الموافقة وإجراء مراجعة سنوية.
- قياس التكلفة الكاملة لكل قناة: احتساب إجمالي تكلفة الشراكة كنسبة من الأقساط طوال مدة العقد، بما يشمل الرسوم وتكاليف العاملين داخل فروع الشريك.
- ربط التكلفة بالقيمة المقدمة للعميل: متابعة معدلات التعويضات والإلغاء وعدم الاستمرار والشكاوى وفقا للمنتج وقناة التوزيع.
- تعزيز الانضباط في التسعير: إخضاع العقود المصرفية لتقييم مستقل لقيمة الأعمال الجديدة، وتجنب تحميل فروع تأمينية أخرى تكاليف هذه الاتفاقات.
- تطوير نماذج التعاقد: ربط المقابل المالي بمستويات الأداء المحققة، ووضع آليات واضحة لاسترداد المبالغ عند الاقتضاء، والحد من المدفوعات المقدمة مرتفعة القيمة.
- تنويع الشراكات والحد من التركز: مراعاة الحدود التنظيمية للأعمال الواردة من بنك واحد في محفظة تأمين الائتمان والضمان، مع توسيع قاعدة الشركاء وقنوات التوزيع.
وتخلص الدراسة إلى أن تطوير منظومة توزيع التأمين في مصر يتطلب الجمع بين التوسع في القنوات التقليدية والحديثة، وتحسين كفاءة الشراكات، وضبط تكاليف التوزيع، وتعزيز حماية العملاء، مع الالتزام بالضوابط الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي المصري، كل في نطاق اختصاصه.
ويمثل تبني هذه المعايير أساسا لبناء منظومة توزيع أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على توسيع قاعدة المستفيدين من التغطيات التأمينية، ودعم الابتكار، وتعزيز تنافسية سوق التأمين المصري.