بقلم د ابريك المنقوش الزوي : أين اختفت الملايين؟... حكاية تبخر المليارات بين "المركزي" و"النفط"
يكشف التباين الصارخ والأرقام الصادمة التي تتقاذفها المؤسسات السيادية—بين تصريحات محافظ المصرف المركزي «ناجي عيسى» بأنه لم يستلم سوى 361 مليون دولار فقط دُوّنت رسمياً، وتأكيد مسؤول مؤسسة النفط «مسعود سليمان» بتحويل مليار و270 مليون دولار (وأن الجزء الأكبر سلمه لـ «محمد الضراط» الذي يلفه صمت مطبق حيال فارق يقارب 909 ملايين دولار)—عن فضيحة مدوية في مسارات الإفصاح المالي والعبث بالمال العام.
لقد سئم الشارع الليبي لغة التقاطعات والتصريحات الإعلامية العبثية؛ فالمواطن البسيط لا يعنيه من استلم ومن أرسل، بقدر ما يعنيه أين تذهب عائدات شريان الحياة؟ ولماذا تعجز الدولة التي تسبح على بحار من النفط عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم، وحل أزمتي السيولة المذلة والعملات الأجنبية؟
أين أجهزة الرقابة والدولة؟... الغائب الأكبر عن المشهد
الرقابة الغائبة: وسط هذا التخبط المالي المخيف، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً ووجعاً في وجدان المواطن: أين الأجهزة الرقابية والسيادية في الدولة؟ أين ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، ومكافحة الفساد، والنائب العام؟
لماذا تقف هذه المؤسسات الموكل إليها حماية مقدرات الشعب موقف المتفرج الأبكم، مكتفية بمتابعة المشهد عبر شاشات التلفزة ووسائل الإعلام كأي مواطن عادي؟ أليس من المفترض أن تكون هذه الهيئات هي الحصن الأخير للدفاع عن حقوق الشعب؟ إن هذا الصمت المطبق من قِبل الأجهزة الرقابية يثير علامات استفهام كبرى حول استقلاليتها وقدرتها، بل ويحولها —بحكم السكوت— إلى شريك غير مباشر في هذا العبث المستمر. أين التحقيقات العاجلة؟ وأين مذكرات التوقيف والمساءلة الفورية لكل من تثبت إدانته بإهدار المال العام أو التلاعب بقوت المواطنين؟
معادلة الثروة المهدرة... ومواجع المواطن
أرقام بلا أثر: حين تتناقل التقارير أرقاماً فلكية بالمليارات وتراوح المبالغ مكانها بين تجاذبات المكاتب المغلقة، يقف المواطن عاجزاً وذليلاً لأشهر أمام طوابير المصارف للحصول على سيولة نقدية زهيدة تكفي رمق أيامه، بينما تلتهم السوق الموازية ما تبقى من مدخراته وقوته اليومي.
السيولة والعملات الأجنبية: إن هذا الغموض الممنهج في مسار الإيرادات السيادية هو السبب المباشر لشح العملة الأجنبية وارتفاع سعر الصرف بجنون؛ فغياب الشفافية يمنع توجيه النقد الأجنبي نحو مستحقيه الفعليين، ويترك الاقتصاد رهينة لشبكات المضاربة وتجار الأزمات وغلاء الأسعار الفاحش.
المال العام ليس غنيمة: إن حماية المال العام تقتضي التوقف فوراً عن إدارة الدولة بمنطق المحاصصة والبيانات الإعلامية المضللة، والانتقال الحاسم إلى الرقابة الصارمة وربط الإيرادات النفطية بخطة تنموية ومعيشية واضحة المعالم يشعر بها كل مواطن في بيته وسوقه.
المطالب الوطنية الملحة... رسالة إنذار للمسؤولين
إن بقاء الحال من المحال، وإن السكوت عن هذا النزيف لم يعد مقبولاً، ومن هنا فإن المطالب الشعبية الملحة لا تحتمل التسويف:
تحرك عاجل للأجهزة الرقابية: فتح تحقيق جنائي ومالي فوري وعلني من قِبل الجهات القضائية والرقابية لكشف ملابسات تضارب الأرقام بين المصرف المركزي ومؤسسة النفط، ومحاسبة كل مقصر أو متستر.
التدقيق المالي المستقل: إخضاع كافة حسابات وعائدات مؤسسة النفط والمصرف المركزي لعملية مطابقة فورية وشاملة عبر بيت خبرة دولي ومحايد، ونشر النتائج للرأي العام دون مواربة.
ربط العوائد بمعيشة المواطن: تخصيص جزء حقيقي وثابت من العوائد النفطية لمعالجة الأزمات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها توفير السيولة النقدية المنتظمة في المصارف وكبح جماح الأسعار والسلع الأساسية.
شفافية الاعتمادات: إنهاء سياسة التعتيم المضروبة على فتح الاعتمادات المستندية وتحويلات النقد الأجنبي، وحصرها حصراً في تلبية احتياجات المواطنين الحقيقية بعيداً عن شبكات الفساد والانتفاع الضيق.
إن حماية لقمة عيش المواطن، واستقرار الاقتصاد الوطني، وإعادة هيبة مؤسسات الدولة، تبدأ اليوم قبل الغد بفرض سيادة القانون على الجميع بلا استثناء، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات حزبية أو جهوية ضيقة.. فالتاريخ لا يرحم، وصبر الشارع نفد!
الملحق الإعلامي السابق للسفاره الليبيه . القاهرة