رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم اللواء سامى دنيا : مَنْ هُوَ الله؟!

هير نيوز

مَنْ هُوَ الله؟! هُوَ الَّذِي تُغْلِقُ البَابَ عَلَى نَفْسِكَ لِكَيْ تُعْصِيَهُ، فَيُبْقِي لَكَ الهَوَاءَ مِنْ تَحْتِ البَابِ لِتَتَنَفَّسَ… فَكَيْفَ تَعْصِيهُ وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنْ رَحْمَتِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً؟! في ليلة الجمعة… قف قليلًا مع قلبك، وتذكّر مَن هو الله!

هو الله الذي مهما ابتعدت عنه، لم تُغلق أبواب رحمته في وجهك، ومهما أثقلت كاهلك الذنوب، لم يمنع عنك نعمه، ومهما نسيت شكره، لم ينسَ أن يرزقك، ويسترك، ويمنحك فرصة جديدة لتعود إليه.

 مَن هو الله؟

هو الذي تذنب فيستر، وتخطئ فيمهل، وتضعف فيعينك، وتضيق بك الدنيا فيفتح لك من أبواب الفرج ما لم يكن يخطر لك على بال.

هو الذي يراك حين تختبئ عن أعين الناس، ويسمع دعاءك حين تعجز عن ترتيب كلماتك، ويعلم ما تخفيه في صدرك من وجع لا يعرفه أقرب الناس إليك.

هو الذي لا يحتاج إلى أن ترفع صوتك كي يسمعك، ولا إلى أن تشرح له ما في قلبك كي يعلم حالك؛ فهو سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.

 مَن هو الله؟

هو الذي يمنحك النعمة وأنت لا تزال مقصرًا في شكره، ويهبك الصحة وأنت لا تتذكر قيمة العافية إلا حين يطرق المرض بابك، ويمنحك أنفاسًا متتابعة دون أن يطلب منك ثمنًا لكل نفس.

تنام ليلتك ولا تملك ضمانًا لاستيقاظك، وتغلق عينيك دون أن تتحكم في نبضات قلبك، وتخرج من بيتك ولا تملك أن تضمن لنفسك عودة آمنة… ومع ذلك، تمضي في حياتك وكأن كل شيء مضمون!

فيا ابن آدم، تأمل كم من نعمة تعيش فيها ولا تشعر بها، وكم من رحمة تحيط بك ولا تنتبه إليها إلا حين تفقد شيئًا منها.

 مَن هو الله؟

هو الذي فتح لك باب التوبة، ولم يجعل ذنوب الأمس حكمًا نهائيًّا على مستقبلك.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

[سورة الزمر: 53]

تأملوا جمال النداء: «يَا عِبَادِيَ».

حتى الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب، لم يُغلق الله أمامهم باب الرجوع إليه، بل دعاهم إلى ألا يقنطوا من رحمته.

فإذا أخطأت، فلا تجعل خطأك سببًا للابتعاد، بل اجعله دافعًا للتوبة والإصلاح. وإذا سقطت، فلا تستسلم للسقوط، بل انهض واستعن بالله وابدأ من جديد.

 مَن هو الله؟

هو الذي إذا ضاقت بك الأرض، تذكرت أن لك ربًّا لا يعجزه شيء، وإذا انقطعت بك الأسباب، بقي باب الدعاء مفتوحًا، وإذا خذلك البشر، لم يكن خذلانهم دليلًا على أن رحمة الله قد تخلت عنك.

لكن تذكّر أن رحمة الله لا تعني أن نتمادى في المعصية، وأن حلمه علينا ليس إذنًا بالإصرار على الخطأ؛ بل هو فرصة لنستيقظ قبل أن تضيع أعمارنا في الغفلة.

فمن عرف سعة رحمة الله، ازداد حبًّا له، ومن عرف عظيم فضله، ازداد حياءً منه، ومن عرف أنه سبحانه مطّلع عليه في السر والعلن، استحيا أن يجعل نعم الله وسيلة لمعصيته.

 وفي ليلة الجمعة، اسأل نفسك بصدق:

كم مرة دعوت الله فاستجاب لك، ثم نسيت أن تشكره؟

وكم مرة خفت من أمر، ثم مرّ بفضل الله؟

وكم مرة بكيت من ضيق، ثم أضحكتك الحياة من جديد؟

وكم مرة ستر الله عليك عيبًا، وأمهلك رغم تقصيرك، ومنحك يومًا جديدًا لتصلح ما أفسدت وتستدرك ما فات؟

ألا يستحق هذا الرب العظيم أن نحبّه بصدق، ونطيعه بإخلاص، ونعود إليه كلما أبعدتنا الدنيا عنه؟!

دعائى لى ولكم فى ليلة الجمعة:

اللهم يا واسع الرحمة، يا عظيم الفضل، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأصلح قلوبنا، واهدنا إلى ما تحب وترضى.

اللهم لا تجعل نعمك علينا سببًا في غفلتنا عنك، ولا تجعل سعة رحمتك سببًا في جرأتنا على معصيتك، بل ارزقنا قلبًا يخشاك، ونفسًا تستحي منك، ولسانًا لا يفتر عن ذكرك، وعملًا يرضيك.

اللهم إن أخطأنا فاغفر لنا، وإن ضعفنا فقوِّنا، وإن ضاقت بنا الدنيا فافتح لنا أبواب فرجك، وإن ابتعدنا عنك فردّنا إليك ردًّا جميلًا.

اللهم ارزقنا توبة صادقة، وراحة في القلب، ونورًا في البصيرة، وبركة في العمر، وحسن الخاتمة، واجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

خاتمة من قلبى الى قلوبكم :

يا ابن آدم، لا تغترّ بقوتك، ولا تنسَ ضعفك، ولا تجعل اعتيادك على النعم يحجب عنك عظمة المنعم.

فكل نفس تتنفسه نعمة، وكل يوم تعيشه فرصة، وكل باب للتوبة يُفتح أمامك رحمة.

فلا تجعل علاقتك بالله علاقةَ حاجةٍ وقت الشدة فقط؛ بل اجعلها محبةً في الرخاء، وشكرًا عند النعمة، وصبرًا عند البلاء، وتوبةً كلما أخطأت.

وفي ليلة الجمعة، تذكّر أن أعظم ما يمكن أن تحمله معك إلى الله ليس ادعاء الكمال، بل قلب صادق يعرف تقصيره، ويرجو رحمة ربه، ويجاهد نفسه ليعود إليه.

اللهم لا تحرمنا لذة القرب منك، ولا تترك قلوبنا للغفلة، واجعلنا ممن إذا أذنبوا استغفروا، وإذا أُنعِم عليهم شكروا، وإذا ذُكرت رحمتك اطمأنت قلوبهم، وإذا ذُكرت عظمتك خشعت نفوسهم.

 ليلة جمعة مباركة، عامرة بذكر الله، والصلاة على رسول الله ﷺ، والدعاء لكل قلب يرجو من الله رحمةً وفرجًا وجبرًا جميلًا.

تم نسخ الرابط