كيف أصبح الناجيات من سرطان الثدي بطلات عروض أزياء أكتوبر الوردي؟
في كل عام، يتحول شهر أكتوبر إلى مساحة عالمية للتوعية بسرطان الثدي، فتتزين المدن والمؤسسات باللون الوردي، وتتعدد المبادرات التي تستهدف رفع الوعي بأهمية الكشف المبكر، ودعم المصابات والناجيات، وتعزيز فرص الحصول على الرعاية والعلاج.
لكن خلال السنوات الأخيرة، اتسعت مساحة التوعية لتتجاوز الرسائل الطبية التقليدية، وتصل إلى الفن والموضة والثقافة، لتظهر فكرة أكثر إنسانية: أن المرأة التي مرت بتجربة سرطان الثدي يمكن أن تستعيد حضورها وثقتها بنفسها، وأن تكون قصتها مصدر إلهام للآخرين.
وفي أكتوبر الوردي 2026، تبرز عروض أزياء حول العالم تجعل من الناجيات جزءًا أساسيًا من المشهد، إذ تصعد بعضهن إلى منصات العرض لا باعتبارهن عارضات محترفات، وإنما صاحبات تجارب شخصية مع المرض والعلاج، يحملن قصصًا مختلفة عن الخوف والتحدي والتعافي واستعادة الحياة.

«The Show».. الناجيات في قلب منصة لندن
في لندن، تقدم مؤسسة Breast Cancer Now فعالية «The Show»، التي تمنح الأشخاص الذين يعيشون مع سرطان الثدي أو تجاوزوا تجربته فرصة للمشاركة في عرض أزياء يحتفي بتجاربهم الشخصية.
وتتميز الفكرة بأن المشاركين لا يقدمون الملابس فقط، وإنما يقدم كل منهم قصة مختلفة، لتصبح منصة العرض مساحة للتعبير عن التجربة الإنسانية بعيدًا عن الصورة النمطية التي قد تختزل المرأة المصابة بالسرطان في كونها «مريضة».
وهنا تكتسب الموضة معنى مختلفًا؛ فالملابس تصبح وسيلة لاستعادة الإحساس بالذات، بينما يتحول الظهور أمام الجمهور إلى رسالة مفادها أن الحياة تستمر بأشكال جديدة حتى بعد تجربة العلاج.

«Pink Runway».. الاحتفاء بالحياة في نيويورك
وفي نيويورك، يأتي Pink Runway كأحد الفعاليات التي تربط الموضة بالتوعية بسرطان الثدي، حيث تصعد الناجيات إلى منصة العرض للاحتفاء برحلاتهن وتجاربهن، في فعالية تجمع بين الموضة والعمل المجتمعي.
وتقام نسخة 2026 في متحف بروكلين، ضمن احتفال بمرور 15 عامًا على انطلاق الفعالية التي ينظمها مركز Maimonides لعلاج سرطان الثدي.
ولا تقتصر الرسالة هنا على التوعية بالمرض، وإنما تمتد إلى الاحتفاء بالناجيات ومنحهن مساحة للظهور والتعبير عن أنفسهن، بالتوازي مع دعم جهود المركز في التوعية والرعاية.

«More Than Just Fashion».. عندما تصبح الملابس جزءًا من رحلة استعادة الثقة
وفي بريطانيا، تستعد مؤسسة Keeping Abreast لإقامة النسخة العاشرة من عرض «More Than Just Fashion» في نورويتش خلال أكتوبر.
ويشارك في العرض عدد من النساء اللواتي مررن بتجربة سرطان الثدي أو خضعن لجراحات إعادة بناء الثدي، لتتحول المنصة إلى مساحة تجمع بين الموضة والتمكين.
وتحمل الفعالية اسمها دلالة واضحة؛ فالهدف ليس تقديم الأزياء فحسب، وإنما تسليط الضوء على النساء وتجاربهن وما تمثله مرحلة ما بعد العلاج من بداية جديدة، بما فيها التغيرات التي قد تطرأ على صورة الجسد والثقة بالنفس.

«Haute Pink».. الموضة في خدمة قصص الناجيات
وفي الولايات المتحدة، تجمع فعالية Haute Pink في ولاية ألاباما بين المصممين والناجين والناجيات من سرطان الثدي، بهدف دعم Forge Breast Cancer Survivor Center.
وتعتمد الفعالية على المزج بين عروض الأزياء والعمل المجتمعي، بحيث لا تكون الملابس هي البطل الوحيد، وإنما تصبح وسيلة لجذب الانتباه إلى قصص الناجيات واحتياجاتهن، إلى جانب دعم البرامج الموجهة إليهن وإلى عائلاتهن.

لماذا أصبحت الـRunway لغة جديدة للتوعية؟
ربما تكمن أهمية هذه التجارب في أنها تغير الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى المرأة بعد سرطان الثدي.
فبدلًا من التركيز على المرض وحده، تقدم منصات العرض صورة أكثر اتساعًا للمرأة؛ امرأة خاضت تجربة صعبة، لكنها لا تزال قادرة على الظهور والتعبير عن نفسها واختيار ملابسها والاحتفال بحياتها.
كما تمنح هذه الفعاليات الناجيات فرصة للحديث عن تجاربهن من دون أن تصبح قصة المرض هي هويتهن الوحيدة. فبعضهن يشارك لإلهام أسرته وأطفاله، وأخريات يرغبن في استعادة ثقتهن بأجسادهن، بينما تختار بعضهن الظهور للتأكيد على أهمية الكشف المبكر ودعم النساء الأخريات.
وهكذا تصبح منصة العرض مساحة للحكاية بقدر ما هي مساحة للموضة.

تجربة عربية.. «Pink Fest» في الإمارات
ولا يقتصر هذا الاتجاه على الفعاليات الغربية، إذ شهدت الإمارات مبادرات تربط الموضة والفنون بالتوعية بسرطان الثدي، من بينها Pink Fest الذي استضافته الجامعة الأمريكية في الشارقة بالتعاون مع مؤسسة الجليلة.
وتأتي الفعالية ضمن جهود أوسع خلال أكتوبر الوردي لتعزيز الوعي بسرطان الثدي ودعم النساء المصابات والناجيات، إلى جانب تشجيع المجتمع على المشاركة في المبادرات التي تركز على الوقاية والكشف المبكر والبحث العلمي.

الموضة كمساحة لاستعادة الصورة الذاتية
في النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تقدمها هذه العروض أن التوعية بسرطان الثدي لا يجب أن تتوقف عند الحديث عن المرض.
فالمرأة التي مرت بالتجربة ليست مجرد حالة طبية، كما أن جسدها بعد العلاج ليس شيئًا ينبغي إخفاؤه أو الشعور بالخجل منه. ومن خلال عروض مثل «The Show» و«Pink Runway» و«More Than Just Fashion» و«Haute Pink»، تتحول منصة الأزياء إلى مساحة تمنح الناجيات فرصة للظهور بشروطهن الخاصة.
وهنا يتغير معنى اللون الوردي نفسه؛ فلا يعود مجرد رمز لحملة توعوية، وإنما يصبح خلفية لقصص نساء اخترن أن يستعدن حضورهن، وأن يثبتن أن ما مررن به جزء من حكايتهن، وليس كل الحكاية.




