بقلم اللواء سامى دنيا : الرُّوح لما تبقى نَظِيفة المَلامِح… تِنَوَّر
هل قابلت شخصًا من قبل، لا تعرف لماذا ارتحت له من أول لحظة؟
لا قال كلامًا استثنائيًا…
ولا فعل شيئًا كبيرًا…
ولا حاول أن يلفت انتباهك.
فقط جلس أمامك…
فتغيّر شيء بداخلك.
شعرت أن حضوره آمن،
وأن كلامه لا يحمل خنجرًا مخبأً خلف الكلمات،
وأن ابتسامته لا تحتاج إلى تفسير،
وأن هناك شيئًا فيه لا تراه بعينيك… لكن قلبك يراه……ذلك الشيء اسمه الرُّوح.
فالإنسان قد يملك أجمل وجه،
وأكثر الكلمات أناقة،
وأغلى العطور،
وأكثر الملابس فخامة…
لكن كل هذا يسقط أمام روحٍ متعبةٍ بالخبث،
وقلبٍ مزدحمٍ بالحقد،
ونفسٍ اعتادت أن تؤذي ثم تتظاهر بالبراءة.
وفي المقابل…قد تقابل إنسانًا عاديًا جدًا في ملامحه،…..بسيطًا في حضوره،
لا يملك من الدنيا كثيرًا…لكن عندما يمر من جوارك،تشعر أن المكان صار أهدأ،
وأن قلبك أخذ نفسًا أعمق.
لأن بعض الأرواح لا تحتاج إلى أن تتزيّن… يكفي أنها لم تتّسخ.
وهنا تبدأ الحكاية…….ماذا يحدث للإنسان عندما يمر بكل هذا الوجع، ومع ذلك ينجح في أن يحافظ على روحه نظيفة؟
أجمل ما في الإنسان مش ملامح وشّه…
ولا أناقة لبسه…ولا قدرته على الكلام الجميل.
أجمل ما فيه… هو الشيء الذي لا تراه العين، لكن يشعر به القلب.هناك أرواح تدخل حياتك دون ضجيج،…لكنها تترك في داخلك طمأنينة لا تعرف مصدرها.تجلس معها فتشعر أنك لست مضطرًا للدفاع عن نفسك،
ولا لتجميل حقيقتك،ولا للحذر من كلمة قد تُستخدم ضدك يومًا.لأن بعض الناس روحهم نظيفة… فتنير المكان من حولهم
الروح النظيفة لا تعني أن صاحبها لم يتألم…….بالعكس…ربما مرّ بأوجاع كان يمكن أن تجعل قلبه قاسيًا،…وتعرّض للخذلان الذي كان كفيلًا بأن يطفئ ثقته في الناس،
وشاهد من البشر ما يجعله أكثر حذرًا وأقل طيبة…لكنه اختار رغم كل ذلك ألا يتحول إلى نسخة ممن آذوه……وهنا يكمن جمال الروح الحقيقي….. أن تُجرح… ولا تصبح جارحًا.
أن تُظلم… ولا تصبح ظالمًا…..أن تُخان… ولا تتعلم الخيانة…..أن يكسرك أحدهم… ولا تقضي بقية عمرك في كسر الآخرين.
أن تخرج من الألم أكثر وعيًا… لا أكثر قسوة.
الروح الجميلة لا تحمل دفترًا لتسجل أخطاء الناس،ولا تعيش على الانتقام،
ولا تفرح بسقوط من أساء إليها.
هي تعرف أن بعض المعارك لا تستحق أن تخسر فيها سلامك،وأن بعض الأشخاص أفضل رد عليهم هو أن تتركهم خلفك وتمضي.
ليس ضعفًا أن تتجاوز…بل أحيانًا يكون التجاوز هو أعلى درجات القوة.🔺 نظافة الروح ليست سذاجة…..فالإنسان النقي يستطيع أن يرى الخبث،لكنه لا يمارسه.ويعرف الكذب،
لكنه لا يستخدمه.ويفهم النوايا السيئة،
لكنه لا يسمح لها أن تفسد نواياه.
يعرف متى يسامح…ومتى يبتعد…ومتى يصمت…ومتى يغلق الباب دون ضجيج.
فالطيبة الحقيقية ليست أن تسمح للجميع بالدخول إلى حياتك، بل أن تحافظ على نقاء قلبك وأنت تعرف من يستحق القرب ومن يستحق المسافة. وهناك شيء عجيب في الأرواح النظيفة…أنها مهما كبرت،ومهما ارتفعت مكانتها،ومهما امتلكت من قوة أو مال أو علم أو نفوذ…تظل فيها بساطة الإنسان، وتواضعه،ورحمته،وقدرة عجيبة على أن تجعل من حولها يشعرون بالأمان…..لا تحتاج أن تقول: “أنا شخص جيد”……أخلاقك تقولها عنك.
ولا تحتاج أن تثبت أنك نقي…..تعاملاتك تكشف ذلك……ولا تحتاج أن تبحث عن احترام الناس.روحك تفرض احترامها بهدوء.
لذلك…لا تجعل قسوة الحياة تسرق منك أجمل ما فيك…..لا تسمح لتجربة سيئة أن تغيّر طبيعتك الجميلة….ولا تعطِ شخصًا أساء إليك أكثر من حجمه…فلا يكفي أنه آذاك مرة، ثم تسمح له أن يعيش في داخلك سنوات.
اترك ما يؤلمك لله، وخذ من التجربة درسها، واترك وجعها يرحل.فأنت لا تخسر حين تبتعد عن الأذى…أنت تستعيد نفسك.
وفي النهاية…قد تتغير ملامح الوجه مع الزمن،وقد تترك الحياة خطوطها على الجبين،
وقد يفقد الجسد شيئًا من قوته وشبابه…
لكن هناك ملامح أخرى لا ينبغي أن تتغير:
ملامح الروح.فإذا بقيت روحك رحيمة،وقلبك نظيفًا،ونيتك صافية،وضميرك حيًا،ولسانك بعيدًا عن الأذى…فأنت ما زلت تملك أجمل ما يمكن أن يملكه إنسان.✨ الرُّوح لما تبقى نَظِيفة المَلامِح… تِنَوَّر.ومهما أظلمت الدنيا حولك،سيظل فيك نور لا تصنعه المظاهر،
ولا تشتريه الأموال،ولا تمنحه المناصب…
نور مصدره قلب لم تفسده الحياة.
وهذا هو النور الذي لا ينطفئ. 🤍