الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أحمد صالح الحلبى : مجنون ليلى أبرز مدرسة الغزل العذري

هير نيوز

وأنا أقرا بعضا من شعر ليلى العامرية ؛ أو كما عرفت بحبيبة قيس بن الملوح ، توقفت أمام  سيرتها قليلا  فلعل فيها عوامل جذب تحمل أسرار جعلت قيس بن الملوح ينجذب نحوها ، فحولته إلى مجنون عرف بــ " مجنون ليلى " ، فليلى كما قرأت لم تكن غريبة أو بعيدة عن قيس منذ ولادتها ، فهي ابنة عمه وولدت بعده بأربعة أعوام " في بلدة اسمها النجوع وتسمى هذه البلدة اليوم باسمها وهي عاصمة محافظة الأفلاج بمنطقة الرياض ، وتربت معه وكانا يرعيان مواشي أهلهما معًا فلما كبرت حُجبت عنه فازداد هيامًا بها ولم يكن قيسًا مجنونًا وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها وعشقها " . 
ورغم صلة القرابة بينهما ورعايتهما للأغنام سويا في صغرهما ، إلا أن أهلها رفضوا زواجه بها " لاشتهار حبهما بين العرب، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش ويتغنى بحبه العذري" ، وهو نوع من " الحب الشريف والنقي الذي يقوم على العفة، والسمو الروحي، والابتعاد عن الوصف الجسدي أو الشهواني ".
وكانت ليلى كما روي عنها تبادله العشق وقالت عنه:
كِلانا مُظهرٌ للناسِ بُغضًا
وكلٌّ عندَ صاحبهِ مكينُ
تبلّغنا العيون بما أَردنا
وَفي القلبينِ ثمّ هَوىً دفينُ
وَأَسرار اللّواحظِ ليسَ تَخفى
وَقد تغري بِذي الخَطأ الظنونُ
وَكَيف يَفوتُ هَذا الناس شيء
وَما في الناسِ تظهرهُ العيونُ
وأظهرت ذلك بقولها : 
باحَ مجنونُ عامرٍ بهواهُ
وَكَتمت الهَوى فمتّ بِوَجدي
فَإِذا كانَ في القيامةِ نودي
مَن قتيلُ الهَوى تَقدّمت وَحدي
ولأن  قيس عاشق لليلى ، فإن زواجها من غيره لم يثنه عن حبه لها فروي أنه "  ذهب إلى ورد زوج ليلى في يوم شاتٍ شديد البرودة وكان جالسًا مع كبار قومه حيث أوقدوا النار للتدفئة، فأنشده قيس قائلًا:
بربّك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفّت عليك قرون ليلى
رفيف الأقحوانة في نداها
كأن قرنفلًا وسحيقَ مِسك
وصوب الغانيات شملن فاها
فقال له ورد: أما إذ حلّفتني فنعم.
وسعى والد قيس للبحث عن علاج لابنه من حب ليلى ، فذهب " به إلى الحج لكي يدعو الله أن يشفيه مما ألمّ به من حب ليلى، وقال له: تعلّق بأستار الكعبة وادعُ الله أن يشفيك من حبها " 
غير أن قيس حينما  تعلق بأستار الكعبة قال: «اللهم زدني لليلى حبًا وبها كلفًا ولا تنسني ذكرها أبدًا».
وحينما ماتت ليلى ، رثاها قيس قائلا : 
أيا قبر ليلى لو شهدناك أعولت 
عليك وبحت اليوم بالقلب ما يدري
غريبة في أرض وليست بقريبة 
فقيرة في طي التراب ولا تدري
وعندما " أتى إلى الحي ولم يهدوه إلى قبرها، فجعل يشم تراب القبور حتى شم تراب قبرها فعرفهُ ، ووقف عنده قائلا :
أرادوا ليخفوا قبرها عن محبّها 
ولكنّ طيب القبر دلّ على القبر
وكما كانت حياة قيس مليئة بعشق ليلى ، فإن وفاته جاءت بعشقها أيضا ، فقد " وجد ملقى بين أحجار وهو ميت، فحُمل إلى أهله. وروي أن امرأة من قبيلته كانت تحمل له الطعام إلى البادية كل يوم وتتركه فإذا عادت في اليوم التالي لم تجد الطعام فتعلم أنه ما زال حيًا وفي أحد الأيام وجدته لم يمس الطعام فأبلغت أهله بذلك فذهبوا يبحثونَ عنه حتى وجدوه في وادٍ كثير الحصى وقد توفي ووجدوا بيتين من الشعر عند رأسه خطهما بإصبعه هما:
تَوَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ
وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ
فياليت هذا الحِبَّ يعشقُ مرةً
فيعلمَ ما يلقى المُحِبُّ من الهجرِ    
وقبل الختام أقول :  إن كان قيس بن الملوح لم يجن من حبه لليلى سوى الجنون ، فإن ما تركه من اثر أدبي أبرز مدرسة الغزل العذري ، التي " تُمثل لوعة الفراق، والشوق الحارق، والعفة دون طمع في الوصال المادي " ، وهو نوع من " الشعر العفيف والخالي من الأوصاف الحسية الفاحشة باسمهم " .
غير أن هناك من شكك في قصة مجنون ليلى وأنكرها ، واعتبرها نوع من الخيال ومنهم عميد الادب العربي طه حسين ، فأنكر وجود شخصية "مجنون ليلى"؛ وجاء ذلك في كتابه "حديث الأربعاء" ، إذ ذكر " أن قيس بن الملوح شخصية خيالية ابتكرها الرواة والإخباريون بغرض التسلية، وتجسيد مفهوم "الحب العذري المثالي". 
كما استند عدد من النقاد في إنكارهم للقصة إلى ما نقله  الجاحظ بأن  "ما ترك الناس شعراً مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون"، بالإضافة إلى روايات في كتاب "الأغاني" للأصفهاني تذكر أن بني عامر لم يعرفوا شخصاً بهذا الاسم وأن الشعر "مُوَلَّدٌ عليه" (أي نُسِب إليه زيفاً) " .
وفي الجانب الآخر نجد أن هناك من وجد في شخصية مجنون ليلى فرصة للاستمتاع بجمال الشعر العربي ، خاصة بعد بروز مسرحية "مجنون ليلى" لأحمد شوقي عام 1931 م ، كمسرحية شعرية . 
كما أثبتت وجود " مجنون ليلى " الباحثة الصينية لي لي سونغ المتخصصة في الدراسات المقارنة ، وأشارت إلى أن " قيس بن الملوح شخصية حقيقية وليست خيالية ، وإنكار وجودها يفتقر إلى دليل ثابت وبرهان قاطع "  . 
خلاصة القول فإن قصة مجنون ليلى تعتبر من  أشهر قصص الحب العذري في التراث العربي ، سواء كانت حقيقية أو خيالية ، وإن بطليها قيس بن الملوح ومحبوبته ليلى العامرية عاشا في العصر الأموي ببادية نجد كما ورد ، وتداول الرواة قصتهما حتى عصرنا الحاضر .

[email protected]  

   @ashalabi1380

تم نسخ الرابط